العيون تحتضن ورشاً هندسياً غير مسبوق.. جسر وادي الساقية الحمراء يقترب من مرحلة الإنجاز

الصحراء 24 : العيــــون

تتواصل بوتيرة متسارعة أشغال تشييد الجسر الطرقي على مستوى وادي الساقية الحمراء بمدينة العيون، في ورش هندسي ضخم يجسد أحد أبرز المكونات الاستراتيجية للطريق السريع تزنيت–الداخلة، وسط تعبئة بشرية وتقنية متواصلة تضمن استمرارية الأشغال على مدار الساعة.

وفي تصريح للصحافة، بمناسبة الذكرى الأولى لعيد الوحدة، كشف امبارك فنشا، المدير المركزي للطريق السريع تزنيت–الداخلة، أن نسبة تقدم أشغال هذا المشروع بلغت أكثر من 57 في المائة، مؤكداً أن الورش يعرف دينامية متواصلة بفضل تعبئة نحو 900 عامل ومهندس وتقني، موزعين على ثلاث فرق تشتغل بنظام التناوب ليلاً ونهاراً.

ويكتسي هذا المشروع أهمية هندسية استثنائية، بالنظر إلى أبعاده ومواصفاته التقنية، إذ يمتد الجسر على طول 1648 متراً وبعرض 21.4 متراً، ليكون أطول جسر طرقي بالمملكة، باستثمار مالي يصل إلى 1.375 مليار درهم، ضمن مشروع الطريق السريع تزنيت–الداخلة الذي يمتد على مسافة 1055 كيلومتراً، بغلاف مالي إجمالي يفوق 9 مليارات درهم.

وتتجلى القيمة التقنية لهذا الإنجاز في اعتماده على منظومة هندسية متطورة من الخرسانة سابقة الإجهاد، وفق تقنية العوارض المتوازنة، حيث ترتكز المنشأة على 14 دعامة، يصل ارتفاع بعضها إلى 46.5 متراً، فيما تمتد أساساتها العميقة إلى ما بين 24 و46 متراً تحت سطح الأرض.

كما تعكس الكميات الضخمة من المواد المعتمدة حجم التحدي الهندسي الذي يطرحه المشروع، من خلال استعمال ما يناهز 70 ألف متر مكعب من الخرسانة و12 ألف طن من الحديد، في عملية إنجاز تتطلب دقة تقنية عالية ومراقبة مستمرة لمختلف مراحل البناء، خصوصاً خلال تشييد الأجزاء المرتفعة من الجسر.

ولا تقتصر أهمية هذه المنشأة على بعدها الهندسي، بل تتجاوز ذلك إلى أدوارها الاقتصادية والمجالية، باعتبارها حلقة محورية في تعزيز انسيابية حركة السير بين شمال المملكة وجنوبها، وتسهيل تنقل الأشخاص والبضائع، وتحسين السلامة الطرقية، فضلاً عن تخفيف الضغط المروري داخل المجال الحضري لمدينة العيون.

ومن المرتقب أن يساهم دخول الجسر حيز الاستغلال في الحد من مخاطر انقطاع حركة المرور خلال الفترات التي تعرف ارتفاع منسوب مياه وادي الساقية الحمراء، بما يضمن استمرارية التنقل ويعزز موثوقية الربط الطرقي، خاصة في ظل تنامي المبادلات التجارية والأنشطة الاقتصادية بالأقاليم الجنوبية.

وفي مقابل هذه الرهانات التنموية، يحظى الجانب البيئي بأهمية خاصة ضمن مراحل إنجاز المشروع، بالنظر إلى القيمة الإيكولوجية لوادي الساقية الحمراء، المصنف ضمن المناطق الرطبة ذات الأهمية الدولية في إطار اتفاقية رامسار منذ أبريل 2019، والذي يشكل محطة أساسية ضمن مسارات هجرة الطيور بين أوروبا وإفريقيا جنوب الصحراء، ويحتضن أصنافاً متنوعة من الطيور المائية، من بينها النحام الوردي والبط الرخامي المهدد عالمياً.

وفي هذا الإطار، يجري اعتماد تدابير بيئية تروم الحد من التأثيرات المحتملة للأشغال على التوازن الطبيعي للوادي، وصون التنوع البيولوجي الذي يميز هذا المجال الإيكولوجي.

ويأتي هذا الورش في سياق الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، حيث يشكل الطريق السريع تزنيت–الداخلة رافعة استراتيجية لتحديث البنيات التحتية وتعزيز جاذبية المجالات الترابية، وفتح آفاق أوسع أمام الاستثمار والتبادل التجاري مع العمق الإفريقي للمملكة.

وبذلك، لا يمثل جسر وادي الساقية الحمراء مجرد منشأة لعبور المركبات، بل يشكل مشروعاً بنيوياً يجمع بين التقدم الهندسي والرهان الاقتصادي والبعد البيئي، ويؤشر على تحول نوعي في شبكة الربط الطرقي بمدينة العيون ومحيطها، بما يعزز مكانة الأقاليم الجنوبية كقطب للتنمية وواجهة استراتيجية للمغرب نحو إفريقيا.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد