الصحراء:تزاوج السياسة والسلطة بالموت

بقلم : محمد الأغظف بوية 

       أستاذ باحث في الانساق العربية المعاصرة والقديمة            

 

 

تحتفي الكثير من القبائل والعشائر الصحراوية بتقليد جديد منبعث من ركام السياسة ،احتفال يتخذ مسميات قبلية مسيسة بقالب ديني .اذ تركز المقومات الدينية لاعطاء صورة مثلى على قيمة الاحتفال فهو لا يخرج عن الطابع الاسلامى اذ الزاوية أو الولى أو الصالح أو الفقير بحسب تعبير كل عشيرة يجب أن يحمل الصفة المقدسة التى تلازمه منذ أن بدأ الاحتفال به.ومهما يكن من صور الاحتفال وما يواكبه من أنشطة ثقافية وترفيهية ومائدية ،فان هوس اقامة المواسم وتنظيم حلقات التعريف بشخص الصالح الفقير تقف وراءه خطط سياسية ورغبات الحظوة والارتقاء ،ارتقاء سلم السلطة والتقرب اليها خلافا لما عند الولى الذى وصل الى هذه الدرجة عن طريق ارتقاء سلم التعبد والزهد والتقى .

تزاوج السلطة والمال حققا نتائج مهمة على الصعيد المحلى ،فالمجالس المنتخبة تعرف هيمنة الرأسمالى على الحزبي والنقابي النضالى ومؤسسة الدولة تشرط ولاء المال ّمول الشكارة” والقبيلة .

القبيلة قل تفاعل العنصر البشري مع مطامحها ،فحاولت السلطة تغيير اللعبة السياسية بادراج “الزاوية”.فأصبحت الصحراء قبلة الزوايا ولكل قبيلة “صالح”و”فقير”.

ارتبط “الصالح”و”الفقير”بالموت.اما “المصلح” يظهر عندا تتأزم الحياة ،فيكون مطلب المبشر والمصلح اكثر إلحاحا.

 وفي الصحراء لا وجود للمصلحين في لغة التحاور والانتظار ورسم خريطة المستقبل أو استشراف لحظاته بل دائما الورائية سمة تطبع التفكير .ذلك الانسان البدوى الذى حرك التاريخ وصنع لحظاته منذ انطلاق البعثة المحمدية وذلك البدوى الذى حل بأروبا فاتحا ،يتوارى الى الصحارى باحثا عن امجاد بين ثنايا أحجار ورمال ،بين قبور وخوانق لعله يتشافى من وجع السياسة ،ليشرك الموتى في السياسة.

لا ننسى ان تاريخ الصحراء كان دائما حافلا بزوايا وخوانق عاملة وفاعلة لا تقل عن نظيراتها في باقى ارجاء العالم الاسلامى ،خطت فترات زاهرة من تاريخ المنطقة ،مرحلة كانت للزوايا الكلمة وكان للشيوخ القدرة والقوة والاستبصار .أما اليوم فبين عشر من الكيلومترات تجد من يحتفل بزاوية أو فقير .وعلى امتداد الطريق لن ترى الا علامات تذكرك بوجود ولى أو فقير صالح .وبين عشية وضحاها تصنع العشيرة أمجادا على قبر ،وهكذا انتقلت السياسة في الصحراء من عالم الاحياء الى عالم الاموات .ومنطقيا تولد عن هذا الانتقال نفور الاحياء وكفرهم بالسياسة الى ايمان السياسة بقيمة من مات .

اننا في زمن الحداثة وما بعد الانوار وفي زمن العقل وكفاحه والعلم ونضاله والانسان وكدحه ومازال في مجتمعنا من يعيش لاجل ترحيل السياسة بعد المال الى من مات …ولله في خلقه شؤون .

    

                                                                                                                                                                

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد