الصحراء 24 :
يقولون إن التاريخ لا يعيد نفسه، بل يتهكم على من يقرؤونه بعين واحدة، وفي فصول المشروع النووي الإيراني تتجلى سخرية القدر في أبشع وأغرب صورها؛ فالمشروع الذي يراه العالم اليوم كابوسا يؤرق مضاجع العواصم الغربية، لم يولد في دهاليز “الثورة” ولا في مختبرات “المقاومة”، بل رضع من حليب “السلام” الأمريكي ونهل من خبرات “الحليف” الإسرائيلي في زمن الشاه محمد رضا بهلوي.
حينها، كانت واشنطن تنظر إلى طهران كشرطي أمين يحرس آبار النفط، فقدمت له مفاعل طهران للأبحاث في ستينيات القرن الماضي ضمن برنامج “الذرة من أجل السلام”، بل وذهبت إسرائيل إلى أبعد من ذلك بفتح أبواب مختبراتها لتدريب العلماء الإيرانيين، وكأن الجميع كان يتسابق لتسليح يد ستصفعهم لاحقا.
هذه المفارقة التاريخية جعلت من طهران السبعينيات ورشة عمل عالمية، حيث تسابقت شركات ألمانيا وفرنسا لبناء المفاعلات وتخصيب اليورانيوم، في مشهد يوحي بأن “الذرة الإيرانية” كانت الابنة المدللة للمنظومة الغربية.
لكن رياح عام تسعة وسبعين هبت بما لا تشتهي سفن التحالفات، لتتحول تلك المنشآت التي شيدت بمال الشاه وعرق الخبراء الغربيين إلى قلاع محصنة في وجه بانيها.
ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، تحولت الرؤية من الرفاهية الطاقية إلى ضرورة الردع الوجودي، فبعثت إيران الروح في رماد مشروعها القديم، لكن هذه المرة بعيدا عن أعين “المربين” الأوائل، لتدخل في نفق السرية والمواجهة.
إنها الدراما السياسية في أوج تجلياتها؛ فالقانون الدولي الذي استندت إليه إيران لتبرير حقها في التخصيب، والأساسات الخرسانية التي قامت عليها مفاعلاتها، كلها كانت هدايا غربية مغلفة بوعود الاستقرار، قبل أن ينقلب السحر على الساحر وتتحول “الذرة من أجل السلام” إلى فتيل لصراع إقليمي ودولي مرير.
وهكذا، يظل هذا المشروع شاهدا على تقلبات الولاءات، وكيف يمكن لسنوات من الشراكة الاستراتيجية أن تنتهي بمشهد دامي ومواجهة مفتوحة، حيث يغدو الحليف القديم عدوا لدودا، وتنتهي فصول الطموح النووي بصراعات وجودية واغتيالات سياسية كبرى، ليرسم القدر في النهاية لوحة مشحونة بالتناقض، حيث السلاح الذي ساعد الغرب في صنعه صار هو ذاته السبب في رحيل قادة وصناعة أزمات لا تنتهي.

