صهيب عبد الرحمن
ثالثا: العقل الجمعي لدى القبيلة ضد مفهوم حرية الفرد في الدولة الحديثة:
القبيلة ان دخلت في أمر ما فهي تدخله ككل أو تخرج منه ككل كما يرى الباحث الحيصي[1]، وعلى هذا المنوال تجري إعادة انتاج مفهوم التعصب بشكل أكثر حداثة، فالموقف الفكري والإنساني المطلوب في المجتمعات الحديثة يختلف عن الموقف نفسه في العقلية القبلية التقليدية التي تتعاضد في الحق والباطل وتكون موافقها كما وصفها شاعر القبيلة بقوله “وهل أنا إلا من غزية إن غـوت غويت، وإن ترشد غزيـة أرشد“،[2] القبيلة بشكلها التقليدي ترفض المغايرة ولا تعرف المعارضة، فمن يخالف يُستثنى من الكيان ويُنفى من القبيلة، وهذا الأمر من أصعب الأمور التي يمكن أن يواجهها فردٌ في مجتمع تقليدي وتحمي العصبية ترابط القبيلة وتكون المعيار الذي يحاكم به سلوك أفراد القبيلة.
والقبيلة تتصادم مع مفهوم حرية الفرد بمصادرة صوت الفرد فيها عن طريق الولاء، وماهو مطبق داخلها من خصائص بين أفرادها كالمساواة وحفظ حقوقهم وتمديد يد العون وهي خصائص لا تطبق بالمستوى نفسه مع من خارجها، بل كما يقول علي الوردي توجد ديمقراطية داخل القبيلة بين أفرادها لكنهم لا يستخدمونها مع الغير.
رابعا: القبيلة بوصفها عامل خراب للعمل السياسي:
من المعروف ان القبيلة كوحدة اجتماعية لا يمكن أن تحلّ محلَّ الحزب في العمل السياسي الحديث، ولا أن تعمل عمله فانتماء الفرد للقبيلة هو انتماء جبري لا اختياري، بينما يبنى الانتماء الحزبي على حرية الفرد واختياره. وعندما تنخرط القبيلة كـ”قبيلة” في العمل السياسي يكون لديها نتائج سلبية.
وتكون القبيلة كياناً اجتماعياً بالغ الخطورة حين تتقاطع مع العالم السياسي الحديث لأنها تتداخل بهذا العالم بشكل عصبي وتحشيدي وغير منضبط فكريا ما يولد نتائج فادحة على المستوى السياسي والاجتماعي فمفهوم التعصب هو عامل فرقة لا عامل اجتماع لأنه يخلق أجسادا اجتماعية لها ولاءاتها الداخلية الخاصة وتتنافر أو تتصارع مع (آخر) يشاطرها المجتمع ذاته. وهذه سلبية يؤكدها هشام شرابي حين يقول “تكمن الدينامية البارزة للبينة القبيلة في العصبية وهذا منحى سلبي اذ تقوم بادئ ذئ بدء بالفصل بين الأنا والآخرين ثم وعلى متسوى أعلى تقسم العالم إلى نصفين متعارضين القرابة واللا قرابة، العشيرة والعشيرة المعادية لها، والإسلام واللا إسلام وهكذا”.[3]كما أن عدم اعتماد القبيلة في فكرها الإداري على الكفاءة والجدارة كمعيار في إدارة القبيلة واعتمادها الوراثة وتناسل الزعماء يجلب للحكم أشخاصاً غير مسئولين وغير أكفاء.
وما تسبب بتغول القبيلة في السياسة فشل الدولة في إيجاد جوٍّ من الطمأنينة لدى أفرادها مبنيٍّ على تحقيق العدالة الاجتماعيّة، ورعاية المواطن، وحفْظ حقوقه، وفشلها أيضا في تقديم نفسها بوصفها تجربة وحدوية وطنية ناضجة يعتمد عليها الأفراد ويركنون إليها، وفشلها أيضا في تحديث المجتمع وتحويله من مجتمع تقليدي محافظ إلى مجتمع مدني حديث وهذا ما دفع المواطن إلى الرمي بنفسه بأحضان قبيلته ليحتمى بها، فهي تساعده في البقاء حياً عبر برامج التكافل الاجتماعي بين أبناء العمومة، فتقدم له الدواء حين يمرض، والمال حين يحتاج، وتساعده في العمل فهي مصعد للتوظيف وللبروز السياسي، ويظهر أثر ذلك بعدها في العملية السياسية حيث يسعى (المتنفعون بالقبيلة عند وصولهم الى السلطة) من خلال شيوخ القبائل لمحاربة كل الأصوات المعارضة، وفي هذا السياق يلاحظ المنظر داويشة ان التقدير والقبول المتجذر في الثقافة الإجتماعية التقليدية والمتمثل في الطاعة التامة لمن هم على رأس الهرم (شيخ القبيلة) قد خفض أو قلّل حسّ الممانعة ورفض السلوك السلطوي والشمولي المستبد مما يعني ان مركزية الحكم لدى شيوخ القبيلة مهدت لقبول الاستفراد بالسلطة في الدولة الحديثة. وعلى الرغم من اختلاف طبيعة الحكمين إلا أن المركزية قاسم مشترك بينهم.
ويرى الدكتور الأحمري أن “السياسة القبلية نظام بدائي متخلف ومافيه من حسنات فهي حسنات الفطرة الطبيعبة البعيدة عن التقدم وتعقيد المجتمع الحديث وتصلح لجماعات قليلة متقاربة متجانسة لا تطمح الى شيء كبير، وليس لديها عقائد ولا أفكار كبيرة ولا رسالة بعيدة المدى، عقيمة الجذور طامحة الى الامتداد، لإن هذه العقيدة سوف تصطدم مع القبيلة وتتناحر معها في سبيل الارتفاع عن الضروريات البدائية نحو الدولة الكاملة والعقل القبلي الصغير يشق عليه التعقيد ويعاني مع الانفتاح ويتكبد ما هو فوق طاقته عنما ينكشف للبعيد ويخاف ويرتعب دائماً من القريب.. ابن العم المنافس على كرسي شيخ القبيلة”. ويضيف الأحمري “ولهذا عانت القبائل العربية معاناة شديدة من فكرة الدولة ومسألة الأمة فهوت بثقافة الأمة أحيانا وارتفعت وتجاوزت ضعفها وصغرها أحيانا كثيرة، وكانت ساعات الانتصار هي تلك الأزمنة التي ترفع فيها القبيلة وتشمخ للدولة وكانت الساعات القائمة المظلمة تلك هي ساعات القبيلة المنظية التي تصغر الدولة لتكون قبيلة” بمعني أدق ان كيان القبيلة يقوى حين تضعف الدولة والعكس صحيح.
من الأمثلة الجلية على سلبية القبيلة في السياسة اغتيال قبيلة بنوأمية فكرة الدولة المدنية الإسلامية عندما ورًث معاوية ابنه الحكم وحول الدولة الإسلامية من دولة مدنية ديمقراطية الى حكم قيصري قبلي يقول الأحمري “قصر نظر كثير من حكام بني أمية واستسلامهم لمنطق القبيلة والعائلة الضيقة كان من أسباب الفتنة وإسقاط عثمان وقد تسبب معاوية أزمات للأمة بإختياره منطق القبيلة حين ورث ابنه السلطة فكانت المقاتل الكبيرة والفتن ومنها كربلاء والحرًة حيث كان أبناء الصحابة والتابعين يبحثون عن الخلافة وهذه القبيلة تعبث بالحكم حتى هوى بنو أمية وقد ضحوا بخيرة رجال الأمة تحت أقدام الصراع القبلي الذي هوى برؤوس رجال عظام من أمثال محمد ابن القاسم الثقلي وقتيبة بن مسلم الباهلي وموسى بن نصير عمالقة الفتح وبناء التوسع الكبار سقطو في حرب القبائل العربية التي أشعلها بنو أمية، وكان صراع القبائل العربية فيما بينها وفيما بين العرب والبربر ما عجل سقوط الأندلس”. [4]
خاتمة:
ان انخراط القبيلة في العملية السياسية هو عامل سلبي فالممارسة السياسية السليمة لا تتيح مساحة ممكنة للقبيلة ك”قبيلة” أي كيان واحد يترابط عبر شكله التقليدي المعروف الذي لا يتلائم والممارسة السياسية الحديثة كما ان بًنية القبلية نفسها لا تسمح بالتفاعل السياسي السليم والفرد إذا نظر إليه من خلال القبيلة لا يمكن إلا أن يكون مستخدماً ولا يمكن أن يجسد تلك الوحدة الرئيسة الفاعلة التي يستند اليها المجتمع المدني.
خلاصة نتيجة هذه الدراسة هي أن عدم وجود هوية وطنية حاضنة تجمع كل القبائل كفيلة بنشوء الانقسامات كردة فعل طبيعية، على عدم توافر البديل الحاضن للأفراد في مجتماعهم وأوطانهم الحديثة، وحتى الآن يعود عدم نجاحنا إلى وصول دولة مدنية ان مفهوم الدولة نفسه لم يكن متبلورا وواضحا وناضجا عند السياسين، وفشل الساسة المتعاقبين على حكم البلد عن تحقيق متطلبات الوحدة المجتمعية على الوجه الأكمل فظهرت الدولة الصومالية مصحوبة بقصور سياسي مؤسسي وضعف في الوعي السياسي لدى الساسة والشعب وكان هذا نتاجا لعصور مظلمة يصل امتدادها الى منذ وجود الجنس الصومالي، وكان تاريخنا كله تاريخ قبائل ومشايخ، كما ان تجذر ثقافة تغليب مصالح فئات معينة على المصلحة العمومية عند المجتمع أدى الى استبعاد وصول الدولة الحديثة برمتها.
– عبد العزيز الحيصي “القبيلة والديمقراطية: حالة العراق الملكي (1921-1952)” ص 10.[1]
-دريد بن الصمة شاعر جاهلية وفارس من قبيلة هوازن قاتل المسلمين فقتل في وقعة حُنين. [2]
-هشام شرابي “النظام الأبوي وإشكالية تخلف المحتمع العربي” ص 14.[3]
– محمد الأحمري “مصدر سابق” ص 168-169[4]

