” بين صناديق الاقتراع ومدرجات الملاعب… من يصنع الوحدة الوطنية؟ “

الصحراء 24 : بقلم / محمد سيدي عبدالله

قد تبدأ الحكاية من مباراة كرة قدم، لكنها لا تنتهي عند صافرة الحكم.

حين يلتقي المنتخب الإسباني بنظيره الأرجنتيني اليوم، لن يكون الأمر بالنسبة إلى كثير من المغاربة مجرد مواجهة رياضية، بل سيحمل أسئلة أخرى: من نشجع؟ ولماذا؟ وهل يمكن للاعب مثل لامين يامال، الذي يمثل إسبانيا وتحمل قصته جذورًا مغربية من جهة والده، أن يصبح جسرًا وجدانيًا بين شعبين أكثر مما تفعل أحيانًا الخطابات السياسية؟

هنا تظهر المفارقة: كرة القدم تستطيع في تسعين دقيقة أن تجمع الملايين حول إحساس واحد، بينما تحتاج السياسة والأحزاب أحيانًا إلى سنوات لبناء شعور مشترك بالانتماء.

لا يعني ذلك أن الرياضة بديل عن السياسة؛ فالدول لا تُدار بالنتائج الرياضية، والديمقراطية لا تُبنى في الملاعب. لكن ما تقدمه كرة القدم يستحق التأمل؛ فهي تصنع لحظة جماعية يشعر فيها الناس أنهم جزء من قصة واحدة، بعيدًا عن اختلافاتهم الاجتماعية والسياسية.
بين صناديق الاقتراع ومدرجات الملاعب، يبرز سؤال عميق: من ينجح أكثر في صناعة الوحدة الوطنية؟

لقد أصبحت الرياضة اليوم إحدى أدوات القوة الناعمة للدول. فالمنتخبات والنجوم لا يمثلون فقط إنجازًا رياضيًا، بل يصنعون صورة للبلد، ويؤثرون في مشاعر الشعوب، وقد يفتحون أبوابًا للتقارب لا تفتحها الدبلوماسية وحدها.

وقصة لامين يامال تختصر جانبًا من هذا التحول؛ فهو لاعب إسباني في الملعب، لكنه يحمل قصة إنسانية تتجاوز الحدود، ويجعل كثيرين يرون في الرياضة مساحة للتقارب والحوار.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: هل الرياضة أقوى من السياسة؟
بل: هل تستطيع السياسة أن تتعلم من الرياضة كيف تبني الثقة، وكيف تحول الاختلاف إلى مساحة للقاء؟

فالمجتمعات لا تحتاج فقط إلى مؤسسات وقوانين، بل تحتاج أيضًا إلى رموز وأحلام مشتركة. وإذا كانت كرة القدم قادرة على توحيد القلوب لتسعين دقيقة، فإن التحدي الحقيقي هو أن تجعل السياسة هذا الشعور بالوحدة مشروعًا دائمًا لا ينتهي مع صافرة الحكم.
ويبقى السؤال مفتوحًا:

إذا كانت مباراة واحدة قادرة على جمع الملايين حول لحظة واحدة، وإذا كان لاعب واحد قادرًا على صناعة مساحة مشتركة بين شعوب مختلفة، فلماذا تعجز السياسة أحيانًا عن تحويل هذا الشعور إلى مشروع دائم للوحدة والثقة؟

وهل ستظل الرياضة مجرد فرجة، أم أنها أصبحت مفتاحًا لفهم المجتمعات الحديثة وكيف تتشكل هوياتها وانتماءاتها؟
ربما تكون هذه هي المباراة الحقيقية التي تستحق أن نخوضها جميعًا.

بقلم / محمد سيدي عبدالله

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد