حين تنطق الحصيلة… تتهاوى المزاعم

الصحراء 24 : بقلم / ذ لمجيد محمد

في كل مرحلة إصلاحية جادة، تظهر أصوات تختار أن تواجه الإنجاز بالتشكيك، وأن تستبدل النقاش الموضوعي بالمزايدات. وهذا أمر ليس جديداً في تدبير الشأن العام، لكنه يصبح أكثر إثارة للاستغراب عندما يتعلق بمؤسسة اجتماعية تضطلع بأدوار إنسانية لفائدة الفئات الأكثر هشاشة.

لقد أثارت بعض المقالات والمنشورات الأخيرة، التي تناولت مؤسسة التعاون الوطني ومديرها العام الدكتور خطار المجاهدي، نقاشاً تجاوز حدود النقد المهني إلى خطاب يغلب عليه التعميم والاستنتاج أكثر مما يستند إلى معطيات موثقة. ومن حق الجميع أن ينتقد أداء المؤسسات العمومية، بل إن النقد الرصين يعد ركيزة أساسية للإصلاح، غير أن هذا الحق يقابله واجب أخلاقي يتمثل في تحري الدقة، واحترام قواعد العمل الصحفي، والاستناد إلى الوقائع والوثائق، وعدم تقديم الانطباعات باعتبارها حقائق.

إن الزج بالمؤسسة في تجاذبات سياسية أو انتخابية لا يخدم سوى إضعاف الثقة في المرفق العمومي، في وقت يحتاج فيه القطاع الاجتماعي إلى الاستقرار والتعبئة والانخراط الجماعي لمواجهة تحديات الفقر والهشاشة والإقصاء. كما أن تعميم المواقف ونسبتها إلى جميع النقابات أو مختلف مكونات الشغيلة دون سند واضح، لا يعكس تعددية الآراء داخل القطاع ولا ينسجم مع مقتضيات المهنية والإنصاف.

والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الحكم على أي مسؤول عمومي يجب أن يكون من خلال حصيلته. فالتقييم الرصين لا يبنى على العناوين المثيرة، بل على ما تحقق من برامج وإصلاحات، وعلى المؤشرات التي يمكن للجميع مناقشتها بموضوعية.

لقد عرفت مؤسسة التعاون الوطني خلال السنوات الأخيرة دينامية إصلاحية شملت عدداً من الأوراش المرتبطة بالحكامة، وتطوير الخدمات الاجتماعية، وتعزيز برامج الإدماج والتمكين، وهي أوراش تبقى بطبيعة الحال قابلة للتقييم والنقد، لكنها لا يمكن أن تُختزل في مقالات أو مواقف ظرفية تتجاهل السياق العام وما تحقق على أرض الواقع.

ومن الإنصاف أيضاً التذكير بأن هذه المرحلة تعد محطة متميزة في تاريخ المؤسسة، حيث يقودها مسؤولون راكموا تجربة داخل القطاع ويعرفون تفاصيله وإكراهاته، وهو ما أتاح فرصة لتدبير العديد من الملفات انطلاقاً من معرفة ميدانية باحتياجات المؤسسة وشغيلتها. ومهما اختلفت الآراء حول أساليب التدبير، فإن الفيصل يظل دائماً هو النتائج الملموسة.

إن الرد الحقيقي على الحملات الإعلامية لا يكون بالانفعال ولا بالدخول في سجالات شخصية، وإنما بعرض الحصيلة بكل شفافية، ونشر الأرقام والمعطيات، وتمكين الرأي العام من المقارنة بين مختلف المراحل التي عرفتها المؤسسة. فالإنجاز حين يكون موثقاً لا يحتاج إلى كثير من الدفاع، لأنه يتحدث عن نفسه.

كما أن العمل النقابي المسؤول يظل شريكاً أساسياً في تطوير المرفق العمومي، متى استند إلى الحوار، والحجة، والاقتراح، واحترام المؤسسات. أما الخطابات التي يغلب عليها التشكيك أو الشخصنة أو إطلاق الاتهامات دون بينة، فإنها لا تخدم الشغيلة، ولا تضيف قيمة للفعل النقابي، بل تضعف صورته أمام الرأي العام.

إن مؤسسة التعاون الوطني أكبر من الأشخاص، وأسمى من الحسابات الظرفية، لأنها مؤسسة وجدت لخدمة المواطنات والمواطنين، وخاصة الفئات الهشة. ومن هذا المنطلق، فإن الواجب يقتضي حماية النقاش العمومي من الانزلاق إلى المهاترات، وتوجيه الجهود نحو تقييم السياسات والبرامج بميزان الموضوعية والإنصاف.

وفي الاخير ، يبقى المعيار الذي لا يختلف حوله اثنان بسيطاً وواضحاً: قارنوا بين الحصائل، وقيسوا الإنجازات، ثم احكموا. فالتاريخ لا يكتب بالشعارات، وإنما بما يتركه المسؤولون من أثر في المؤسسات وفي حياة الناس.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد