فرنسا… إسبانيا… والمغرب : هل هي مباراة كرة قدم أم امتحان للذاكرة الجماعية؟

الصحراء 24 : بقلم / محمد بونعاج

ليست كل مباريات كرة القدم مجرد تسعين دقيقة، فبعضها يمتد إلى قرون من التاريخ. وحين يجد المغرب نفسه أمام فرنسا أو إسبانيا، لا يلتقي منتخبان فقط، بل تتقاطع ذاكرة شعب مع تاريخ قوتين تركتا بصمتهما في جغرافية المغرب ووجدانه، فرنسا التي ارتبط اسمها بالحماية وما رافقها من إرث سياسي وثقافي، وإسبانيا التي ارتبط حضورها الاستعماري بشمال المملكة وصحرائها، ولا يزال صدى ذلك حاضرًا في نقاشات ترتبط بإحصاء 1974 وبعض ملفات التجنيس ذات الخلفية التاريخية.

غير أن المفارقة تكمن في أن المستطيل الأخضر كثيرًا ما يعيد ترتيب الذاكرة. فبعد فوز إسبانيا على فرنسا، بدا وكأن جزءًا من الشارع المغربي احتفى بانتصار مدريد أكثر مما استحضر ماضيها الاستعماري.

فهل الذاكرة الوطنية انتقائية؟ أم أن الرياضة تمتلك سلطة رمزية قادرة على إعادة تشكيل وعينا الجماعي دون أن نشعر؟

هنا تبدأ جدلية الرياضة والسياسة.

فالسياسة، رغم ما تنفقه من خطابات وانتخابات وبرامج، قد تعجز عن صناعة إجماع وطني، بينما تنجح مباراة واحدة في توحيد ملايين المغاربة أو إعادة ترتيب سلم التعاطف والخصومة. وكأن صافرة الحكم لا تعلن نهاية المباراة فقط، بل تؤجل أحيانًا أحكام التاريخ.

يقول بيير دي كوبرتان ( ارستقراطي ومؤسس الألعاب الألمبية ): “الرياضة هي السلام.” لكن، هل تصنع الرياضة السلام فعلًا، أم تمنحنا هدنة عاطفية مؤقتة نعلّق خلالها ذاكرتنا الوطنية؟ وهل يستطيع هدف في مرمى الخصم أن يختزل قرنًا من التاريخ، أم أن التاريخ يظل حاضرًا، لكنه يرتدي هذه المرة قميصًا رياضيًا بدل الزي العسكري؟

وتزداد الأسئلة تعقيدًا إذا تذكرنا أن الرياضة أصبحت اليوم جزءًا من السياسة الناعمة؛ فهي تؤثر في صورة الدول، وتخدم الاقتصاد، وتغذي الشعبية، بل وقد تمنح السياسيين ما عجزت عنه صناديق الاقتراع. أليست شعبية المنتخب الوطني اليوم أوسع من شعبية كثير من الأحزاب؟ وأليست كرة القدم قد تحولت إلى رأسمال سياسي ورمزي لا يقل تأثيرًا عن الحملات الانتخابية؟

لكن السؤال الأكثر إرباكًا لم يأتِ بعد…

إذا كان كثير من المغاربة قد شجعوا إسبانيا لأنها أقصت فرنسا، فماذا لو كان النهائي أمام الأرجنتين، الوجه الآخر ” لأمريكا ” الدولة التي أعلنت مؤخرًا دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية؟ هل سنواصل تشجيع إسبانيا بدافع الخصومة التاريخية مع فرنسا؟ أم ستعود السياسة لتغيّر اتجاه البوصلة، فنكتشف أن الذاكرة ليست ثابتة، بل تتحرك وفق المصالح والرموز واللحظة؟

وهنا يصبح السؤال فلسفيًا أكثر منه رياضيًا: من يقود وعينا؟ التاريخ، أم السياسة، أم نتائج المباريات؟ وهل نختار مواقفنا بحرية، أم أن السياسة توظف الرياضة، كما توظف الرياضة السياسة، حتى يصبح الجمهور لاعبًا في مباراة لا يدرك كل قواعدها؟

كما قال بول ريكور( الفيلسوف الفرنسي المعاصر ): “الذاكرة ليست مجرد استرجاع للماضي، بل هي بناء للمعنى.” فهل ما زلنا نحن من نبني ذاكرتنا الجماعية، أم أن الملاعب، ووسائل الإعلام، وخطابات السياسة، تعيد تشكيلها كلما أطلق الحكم صافرة البداية؟

لعل كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، بل مختبرًا حيًا لفهم علاقتنا بالتاريخ، والهوية، والسياسة. والسؤال الذي سيظل معلقًا بعد كل مباراة ليس: من انتصر؟ بل: أي ذاكرة انتصرت… وأي ذاكرة هُزمت؟

بقلم : ذ . محمد بونعاج .

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد