الصحراء 24 : بقلم / محمد بونعاج
هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تكون فيها الأرقام هي التي تتحدث، بل الصور. وصورة الشباب وهم يتدافعون نحو المجهول، بحثًا عن “الضفة الأخرى”، ليست مجرد حادث عابر أو ظاهرة موسمية، وإنما هي رسالة اجتماعية وسياسية عميقة، ينبغي أن تُقرأ بعقل الدولة، وضمير المجتمع، ومسؤولية الفاعل السياسي.
فالهجرة، في هذا السياق، لم تعد مجرد انتقال جغرافي، بل أصبحت تصويتًا صامتًا على واقع يراه كثير من الشباب عاجزًا عن احتضان أحلامهم. إنها تعبير عن أزمة ثقة أكثر من كونها أزمة حدود، وعن بحثٍ عن الكرامة أكثر من كونها بحثًا عن مكان. فحين يصبح البحر أقل خوفًا من المستقبل، فإن السؤال لم يعد: لماذا يهاجر الشباب؟ بل: لماذا فقد بعضهم الإيمان بأن مستقبله يمكن أن يُصنع داخل وطنه؟
إن هذا المشهد يفرض علينا جميعًا التوقف، خصوصًا ونحن على أبواب استحقاقات انتخابية جديدة. فهل نحن أمام نتيجة طبيعية لتراكم اختلالات اقتصادية واجتماعية لم تُعالج بالنجاعة المطلوبة؟ أم أن اقتراب الانتخابات يجعل هذه القضايا أكثر حضورًا في النقاش العام؟ وهل تمتلك الأحزاب السياسية اليوم الشجاعة الكافية لتحويل هذه الأسئلة إلى موضوع للنقاش العمومي، بدل الاكتفاء بالشعارات؟
إن هذه التساؤلات مشروعة، لكنها تحتاج إلى أجوبة تُبنى على الوقائع، لا على الاتهامات أو التأويلات. فالمصلحة الوطنية تقتضي الابتعاد عن منطق التخوين أو اختزال الأحداث في فرضيات غير مثبتة، لأن معالجة القضايا الكبرى تتطلب نقاشًا مسؤولًا يضع الحقيقة فوق كل اعتبار.
لقد دعا جلالة الملك، في خطابيه الأخيرين، إلى نبذ خطاب العداوة وإثارة النعرات، وإلى جعل الاختلاف السياسي وسيلةً للبناء لا للهدم. وهذه الدعوة ليست موجهة إلى الأحزاب وحدها، بل إلى مختلف الفاعلين السياسيين والإعلاميين والمثقفين، حتى يبقى النقاش العمومي قائمًا على المسؤولية، لا على تأجيج الانقسام أو صناعة الأوهام.
لكن، في المقابل، فإن احترام هذا التوجيه لا يعني تجنب طرح الأسئلة الصعبة، بل يعني طرحها بروح وطنية. فأين يقف الفاعل السياسي اليوم من معاناة الشباب؟ وأين دور الأحزاب في التأطير واستعادة الثقة؟ وأين النخب الفكرية والأكاديمية التي يُفترض أن تقدم قراءات عميقة، لا أن تكتفي بوصف الأزمة؟ وأين المجتمع المدني في تحويل الإحباط إلى مشاركة، واليأس إلى مبادرة؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس الفقر وحده، بل فقدان الثقة. فالمشاريع، مهما بلغت قيمتها المالية، تبقى مجرد أرقام إذا لم تتحول إلى أثر يلمسه المواطن في حياته اليومية. فلا يكفي أن تُعلن الخطط، ولا أن تُدشن الأوراش، إذا ظل المواطن يشعر بأن المسافة بين الخطاب والواقع تزداد اتساعًا.
ومع اقتراب الانتخابات، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد التجمعات الانتخابية، ولا في كثرة الوعود، وإنما في نوعية الخطاب السياسي. لقد تجاوز المواطن مرحلة الشعارات، وأصبح ينتظر خطابًا يعترف بالاختلالات، ويقدم حلولًا قابلة للتنفيذ، ويحدد المسؤوليات بوضوح، ويؤمن بأن المحاسبة ليست شعارًا دستوريًا فحسب، بل ممارسةً يومية.
وفي الوقت نفسه، فإن تحميل المسؤولية للطبقة السياسية وحدها سيكون تبسيطًا للمشهد. فالمواطنة ليست حقوقًا فقط، بل هي أيضًا مسؤوليات. إن المجتمع الذي يريد إصلاحًا حقيقيًا مطالب بأن يشارك، ويناقش، ويراقب، ويحاسب، ويرفض ثقافة اللامبالاة، لأن الديمقراطية لا تُبنى بالمشاهدة، وإنما بالفعل والمشاركة.
ويبقى السؤال الأهم: هل الخلل في الوطن أم في المواطن؟ وربما تكون الإجابة أن الخلل يكمن في العلاقة بينهما، حين تضعف الثقة، ويغيب الحوار، وتتسع الهوة بين انتظارات المجتمع وإيقاع السياسات العمومية. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن مذنب، بل بناء تعاقد جديد يقوم على الصراحة، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحويل المواطن من متفرج إلى شريك في صناعة القرار.
إن حب الوطن لا يُقاس بعدد الشعارات التي تُرفع، وإنما بقدرته على احتضان أبنائه، وفتح أبواب الأمل أمامهم. والوطن الذي يمنح شبابه أسباب البقاء هو الوطن الذي لا يخشى المستقبل، لأن أبناءه سيختارون بناءه بدل البحث عن وطن آخر.
إن المرحلة المقبلة ليست مجرد موعد انتخابي، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة، والأحزاب، والنخب، والمجتمع، على استعادة الثقة. فإما أن تكون الانتخابات محطةً لتجديد المشروع المجتمعي، وإما أن تبقى مجرد محطة عابرة، بينما تستمر القوارب في حمل أحلام الشباب بعيدًا عن شواطئ الوطن.

