المدنية والتمدن عناصر قوة أو رموز إخفاق

 بقلم: إبــن لبيرات

 

   لا أحد يجادل في أهمية المجهود التنموي الكبير الذي بذله المغرب ، طوال العقود الثلاثة الماضية ، للنهوض بأوضاع ساكنة الصحراء وجعلها مسايرة لركب التنمية إسوة بباقي المدن المتقدمة بالمغرب ،وذلك  من خلال ضخ الأموال وتشجيع الاستثمارات الموجهة لبناء المدن وتجهيزها بالبنيات التحتية الضرورية وتعزيز حضور الإدارة برموزها السيادية المختلفة وتقريب المصالح من المواطنين من خلال شق الطرق وإحداث المواني والمطارات وضمان الأمن والاستقرار النفسي والبدني للسكان ،هذا الأخير الذي يعرف الكثير من القيل والقال بسبب سوء التخطيط المتبع من قبل الساهرين على تسيير  شؤون الصحراويين.

لقد كان للسرعة التي حكمت أداء السلطات في الأقاليم الجنوبية، وارتفاع وتيرة الانجاز في مجالات البناء والإعمار وتأهيل البنيات التحتية، مفعوله السلبي على الساكنة. ذلك أن عمل المسؤولين لم يكن يحكمه، في الواقع، تخطيط استراتيجي، يستشرف المستقبل ويأخذ بعين الاعتبار توفير شروط النجاح للانتقال الكبير الذي ستشهده هذه الأقاليم، على المستويات المختلفة.

ومُقابل ضعف التحكم في منهجية التخطيط، لم يكن للعامة من ساكنة هذه الأقاليم من بُد سوى محاولة امتصاص صدمة هذا التحول والتحكم في آثاره السلبية، من خلال تتبع مجريات الأحداث، عن بُعد، من دون التأثير فيها أو التأثر بها، في انتظار أن ‘تجود’ المصالح الرسمية على البعض منهم بوسائل تقيهم شر الحاجة وتوفر للعائلات سبل العيش الكريم.

وقد انتعشت في هذه الفترة سياسة العطاءات والحوافز والهبات، بحق أو من دونه، حتى سيطرت ثقافة الريع والتواكل، التي ذهب ضحيتها جيل كامل من الشباب، مقابل أقلية مستفيدة، تنعم، اليوم، بظلال العيش الرغيد، ويزداد أفرادها غنى ولهفة للتحكم والاستحواذ على مصادر الثروات في المنطقة من رمال وجبال وبحار وغيرها.

   لقد أدى اتساع قاعدة الفقر _ ظهور أحزمة صفيح حول المدن لأول مرة في الأقاليم الجنوبية بعد سنة 1992_  وارتفاع معدلات البطالة في الأقاليم الجنوبية (أدى) إلى بروز ظواهر الانحراف والجريمة بأنواعها، وعَمّق، لدى الغالبية من السكان الأصليين، الإحساس بعدم الأمان و بالقلق الكبير من المستقبل.

إن التحكم في معدلات الفقر والتقليص من أعداد العاطلين، مكن في السنوات الأخيرة من امتصاص حنق الشباب وجعل الأمل يدب في النفوس في استشراف الغد الأفضل. بيد أن هذا المجهود ترك أحيانا فراغات تسربت منها حركات احتجاج متفرقة، طالبت  في حينها بمضاعفة جهود التنمية وإشراك أطر المنطقة في تدبير الشأن المحلي.

إن مسايرة العصر ومتطلباته الضاغطة أضحت علامة فارقة في تصور جيلين مختلفين لنمط الحياة التي يريدانها. ومن هنا يتجلى انتشار مظاهر الحياة العصرية التي باتت تطبع واقع الصحراويين، بدءا من تشييد المساكن الفاخرة وتجهيزها بآخر ما استجد من أنواع الأثاث وفنون الديكور وصولا إلى الرغبة في مسايرة متطلبات الحياة العصرية من مأكل ومشرب وملبس وغيرها.

إن رغبة الكثير من الصحراويين في مسايرة متطلبات العيش العصري، الذي يفرضه نمط الحياة في المدن الكبرى، بات يضع الكثيرين من متوسطي ومحدودي الدخل بين مطرقة ضغط الأسر وحاجياتها اليومية وسندان الإمكانيات التي ربما تحول دون تحقيق الأمنيات.

ويتقاطع مطلب المشاركة في التدبير المحلي مع تطلعات عشرات الأطر والكفاءات المحلية في المساهمة، كل في مجال اختصاصه، في بناء تصور جديد لمجتمع محلي قادر على مسايرة وتيرة النماء بعقلية عصرية، منفتحة على تجارب الآخرين، وبشكل يُمَكن هذه النخبة من صقل معارفها في مجال مفتوح على المتغيرات، بفعل الطفرة النوعية لتكنولوجيا الإعلام والاتصال وما تفرضه العولمة من تحديات.

.

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد