الصحراء 24 : بقلم / محمد بونعاج
قد يختلف الناس حول مولود الكيرع أو حول حزبه وخياراته السياسية، لكن تجربته الانتخابية تطرح سؤالاً يتجاوز نتائج الصناديق: هل ننتقل من منطق «حزب القبيلة» إلى منطق «تكتل القبائل داخل الحزب»؟
في السابق، ارتبطت بعض الأحزاب في الوعي الاجتماعي بقبائل ومكونات محددة، حتى أصبح الانتماء القبلي أحياناً مدخلاً لفهم الانتماء السياسي. أما تجربة الكيرع فتبدو مختلفة؛ فهي تنطلق من قاعدة اجتماعية تشكلت عبر العمل الجمعوي والرياضي والميداني، وتجمع حولها فريق متنوع في انتماءاته وأفكاره.
وهنا تكمن أهمية التجربة: القوة ليست في تبعية قبيلة لأخرى، بل في قدرة مكونات مختلفة على التكتل داخل مشروع سياسي واحد، مع الحفاظ على خصوصياتها. فالاختلاف، إذا أُدير بالحوار والتفاوض، يمكن أن يتحول من مصدر للتنافس إلى مصدر للقوة.
ولعل المثل الحساني «اللّي ما يعرف يلعب يستاخر» يلخص جانباً من هذه الفكرة. فالرياضة تعلمنا أن الفريق لا ينجح بلاعب واحد، بل بتكامل الأدوار. والسياسة كذلك؛ لا تُبنى القوة الحقيقية بالاستفراد، وإنما بحسن قراءة الملعب، واحترام الأدوار، والقدرة على جمع المختلفين.
والتحدي الأكبر هو تحويل هذا التكتل من قاعدة انتخابية إلى قوة سياسية قادرة على التفاوض والتأثير ونقل تطلعات المجتمع إلى دوائر القرار.
كما أن التجديد لا يعني إقصاء أصحاب الخبرة، كما أن احترام الشيوخ لا ينبغي أن يغلق الباب أمام الشباب. المطلوب هو الجمع بين تراكم الخبرة وطاقة الجيل الجديد.
لذلك، فإن السؤال الأهم في تجربة مولود الكيرع ليس فقط: هل سينجح انتخابياً؟ بل: هل يستطيع أن يساهم في إنتاج نموذج جديد، تصبح فيه القبائل مكونات لتكتل سياسي واسع، بدل أن يكون كل حزب امتداداً لقبيلة واحدة؟
وإذا كان فريق العمل الرياضي الذي رافق هذه التجربة قد استطاع أن يبني لنفسه قاعدة اجتماعية وشبكة من العلاقات تمتد إلى بعض أهرام الفعل السياسي، فإن السؤال يصبح أكثر عمقاً: هل نحن أمام مجرد تجربة انتخابية عابرة، أم أمام نواة لمعادلة سياسية واجتماعية جديدة يمكن أن تصبح رقماً صعباً في المشهد؟
فمجتمعنا ظل يستحضر هاجس القبلية كلما أقبل على استحقاق أو تهيأ لفعل مستقبلي، خوفاً من أن تتحول الخصوصيات الاجتماعية إلى أدوات للفرز والإقصاء. لكن ماذا لو أمكن تحويل هذه التعددية نفسها إلى مصدر قوة، بحيث تدخل كل المكونات إلى الفضاء السياسي من موقع الشراكة، لا التبعية، ومن أجل ضمان حضور وحقوق الجميع؟
ربما يكون الرهان الحقيقي هنا ليس على قبيلة تنتصر على أخرى، ولا على حزب تختصره قبيلة، وإنما على تكتل يعرف كيف يحول التنوع إلى قوة، والاختلاف إلى تكامل، والقاعدة الاجتماعية إلى تأثير سياسي.
وعندها فقط يمكن أن يصبح السؤال أكبر من مولود الكيرع نفسه: هل نحن أمام بداية انتقال من «حزب القبيلة» إلى «تكتل القبائل داخل الحزب»؟
بقلم : محمد بونعاج
