الصحراء 24 : بقلم / ذ. محتات الرقاص
توالت وقائع عديدة في الفترة الأخيرة، ولنذهب بالاستحضار إلى ما قبل هذه الفترة بقليل، حيث ظلت مهنة الصحافة والقطاع وصورة وحدة ناشري الصحف، وما تمثلهما لدى الناس، كلها في دائرة السؤال والنقد. وأحياناً، هل كان الأمر حينها بريئاً؟
الجميع تابع عديد الصور والمشاهد والأحداث والممارسات التي وصلتنا من شمال المملكة في الأيام الأخيرة، والكل يتفرج اليوم على ما يحدث، بما في ذلك القضاء على حدة تبادل الاتهامات وتداعيات وكيل الشتائم والسباب عبر منصات التواصل الاجتماعي علناً وجهاراً، والكل يرى أن الوضع وصل إلى الباب المسدود.
كل ذلك جرى في ظل وجود لجنة مؤقتة عينتها الحكومة لممارسة مهام المجلس الوطني للصحافة، لكنها بدت عاجزة عن مواكبة كل ما يحدث داخل المهنة، في وقت تتصاعد فيه الأزمات الداخلية وحروب المصالح، ويتواصل الجدل حول ما تخطط له هذه اللجنة المؤقتة ووزارة القطاع، فضلاً عن العريضة التي يجري توقيعها وسط الصحفيين حول مستقبل المهنة.
ألا نخجل الآن؟ ألا نستفيد من كل هذا؟ ألا آن الأوان لإعادة الذاكرة إلى الوراء، واستحضار سجالات تلك الفترة، ومن رفض المخطط الأصلي، ومن كان يرى أن إنجاز ذلك حينها سيجنبنا الوصول إلى ما نحن عليه اليوم من تشرذم وتوتر؟
أليس واجباً اليوم أن نعقل، وأن نستخرج الدروس من كل ما سبق؟ أليس واجباً أن نرى ما يتهدد هذه المهنة وهذا القطاع ككل، وبدون استثناء أي أحد؟
إن هذه الأجواء المقلقة أخلاقياً ومهنياً لا تعني سوى أننا وصلنا إلى مرحلة خطيرة من التمزق والانشقاق والتفرقة داخل الجسم المهني، ومن الصعب الوصول إلى مخرج من هذا الوضع بقرارات إدارية منفردة، أو بالتحكم في الحوار، أو بالتوزيع العشوائي للامتيازات، أو بإقصاء هذا الطرف واحتضان طرف آخر.
ألا يجب، إذن، أن نستخلص من كل هذه الوقائع أن المهنة تحتاج إلى مصالحة حقيقية، وإلى حوار مسؤول يشارك فيه الجميع، وأن المطلوب اليوم هو بناء توافقات عقلانية حول القوانين والإجراءات والتدابير وسبل الخروج من المأزق الذي تخبط بنا وبمهنتنا اليوم؟
كما أن ما يجري يفرض علينا أن نتساءل عن صورة الصحافة الوطنية ومكانتها، وعن قدرتها على الدفاع عن مصالحها مهنياً، وعن حضورها في القضايا الوطنية والرياضية والاجتماعية. فقد ساهمت بعض الممارسات، بما فيها طريقة التعامل مع بعض الوقائع والأحداث، في إضعاف صورة الصحافة وفي تغليب الصراعات على القضايا الأساسية التي يفترض أن تنشغل بها.
ومن المؤسف أن تتحول الخلافات بين ناشري الصحف، وبينهم وبين الصحفيين، وفيما بينهم، إلى تبادل للاتهامات والشتائم، وأن تنتقل الخلافات المهنية إلى منصات التواصل الاجتماعي، بما يسيء إلى صورة المهنة ويضعف ثقة الناس فيها.
أمام كل هذه الاستفهامات، لا يبدو أن اللجنة المؤقتة التي عينتها الحكومة وجدت أمامها حلاً سوى تحديد مواعيد واجتماعات جديدة، وكأن الرسالة الموجهة إلى الصحافة الوطنية هي: انشغلوا بصراعاتكم وخلافاتكم واتركوا القضايا الأساسية جانباً. فهل هذا هو الهدف فعلاً من كامل المخطط؟ وهل المطلوب إعادة الصحافة إلى الوراء وتسفيهها؟
إن المطلوب اليوم ليس تعميق الخلافات، ولا البحث عن منتصر ومهزوم، بل العودة إلى أصل الأشياء: وضع نقطة نهاية لهذا المسار، وإدراك أن استمرار الصراع لن يخدم أحداً، وأن «نصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» لا يعني تكريس الظلم أو حماية الخطأ، وإنما يعني الوقوف إلى جانب الحق وتصحيح المسار.
وعليه، فإن واجب اللحظة هو الاعتراف بالأخطاء، ومراجعة ما وقع، وفتح صفحة جديدة تقوم على المصداقية واحترام التعددية والإنصاف، وعلى وقف التنابز بالكلام البذيء بين الزملاء، وتعزيز الحوار والوحدة والتعاون وسط الجسم المهني.
ومن بين الخطوات الضرورية أيضاً تأجيل أجندة اللجنة المؤقتة القائمة على هيمنة بعض الأصوات وإقصاء الأصوات العقلانية ذات الخبرة، وتشجيع العمل الجماعي داخل المهنة لبناء مرحلة جديدة على قاعدة المصداقية واحترام التعددية والإنصاف.
كما أن المطلوب خلق تهدئة داخل المهنة وحواليها، وفتح انفراج حقوقي عام، واحترام المنظومة القانونية المؤطرة للقطاع، وتوجيه منظومة الدعم العمومي للصحافة لتعود إلى قواعدها الأصلية القائمة على دعم التعددية والإنصاف وعدم التمييز.
ولا يمكن أن ننجح في كل هذا من خلال فرض أجندة متسرعة من لدن اللجنة المؤقتة، أو من خلال قرارات انفرادية لوزارة القطاع، أو عبر إقصاء ناشرين وصحفيين لهم تمثيلية وخبرة وتاريخ. النجاح لن يتحقق إلا عبر تقوية وحدة الجسم المهني، بداية من ناشري الصحف، ثم الاتفاق على القواسم المشتركة في مطالبنا، والتمسك بالمشترك الكبير الذي يجمع مختلف المهنيين.
ثم يأتي بعد ذلك بناء توافقات ناضجة وعقلانية حول القوانين والإجراءات والتدابير وسبل الخروج من المآزق الكثيرة التي تخبط بنا وبمهنتنا اليوم.
إن الوضعية الراهنة، بكل تعقيداتها، تستدعي من الجميع الدفاع عن المهنة وعن مصالحها العليا، وعن صحافة وطنية رصينة قادرة على القيام بدورها في المجتمع، وعلى مواكبة القضايا الوطنية، والدفاع عن صورة البلاد ومصالحها.
فهل نستمر في معاركنا الصغيرة وفي مناطق الظل، أم نضع مصلحة المهنة فوق الحسابات الشخصية؟ وهل نستطيع أن نراجع أنفسنا وأن نقر بالأخطاء، وأن نعود إلى طاولة الحوار بدل الاستمرار في التراشق؟
أليس واجباً علينا جميعاً أن نعقل؟ أليس واجباً أن نتعلم من كل ما حدث، وأن نضع حداً لهذا المسار، وأن نعيد للمهنة وحدتها وهيبتها وقدرتها على أداء رسالتها؟
إن الصحافة لا يمكن أن تستعيد مكانتها إلا إذا استعادت أولاً ثقة أبنائها، وإذا احترم أهلها بعضهم بعضاً، وإذا أصبحت الاختلافات بينهم مجالاً للنقاش والحوار، لا سبباً للسب والقذف والتشهير. وحينها فقط يمكن أن نبدأ مرحلة جديدة، أكثر نضجاً ومسؤولية، وأكثر قدرة على الدفاع عن الصحافة وعن المجتمع.
أيها السادة، إن الوقت ليس وقت المزيد من الانقسام. إنه وقت التعقل والمراجعة والمصالحة. فلنضع جانباً بعض الأوهام والأنانيات، ولنفتح الطريق أمام عمل جماعي يعيد للمهنة توازنها، وللصحفيين والناشرين كرامتهم، وللصحافة الوطنية صورتها ومكانتها.
فهل نعقل إذن؟
بقلم / ذ. محتات الرقاص
مدير نشر بيان اليوم
و رئيس الفدرالية المغربية لناشري الصحف
