الصحراء 24 : بقلم / محمد الداودي
لم يكن مفاجئًا تصرف حزب الاستقلال، بقيادته الحالية، بعدم منح الدكتور عبد الرحيم بوعيدة التزكية للترشح للانتخابات التشريعية القادمة.
إنه تحصيل حاصل، بالنظر إلى مواقف الرجل وتصريحاته خلال مدة انتدابه، تجاه العمل الحكومي الذي يعد الحزب نفسه أحد أركان تحالفه.
عبد الرحيم لم يستعمل لغة المزايدة، ولم يبحث عن تميز شخصي أو ذاتي، بقدر ما حاول أن ينقل خطاب المواطن وانتظاراته إلى قبة البرلمان.
وليس غريبًا أنه، في منتصف الولاية، سبق لرئيس الحكومة عزيز أخنوش أن اشتكى بوعيدة لنزار بركة، معبرًا له عن امتعاضه من تصريحات ومداخلات الدكتور بوعيدة، سواء داخل البرلمان أو على وسائل التواصل الاجتماعي.
ولأن طبيعة الدكتور وذاته الفكرية لا تقبل التطويع، وترفض التطبيع مع خطاب منسلخ عن واقع الناس، لم يكن للترغيب أو الترهيب أثر في كبح موقفه السياسي، المؤمن برسالة مفادها تسمية الأمور بمسمياتها، احترامًا لثقة الجماهير التي منحت أصواتها له.
كان الدكتور دائمًا يردد أن من باب واجب الاحترام والتقدير للناخبين هو احترام وصون ثقتهم.
هذه الثقافة وهذا السلوك السياسي ينتميان إلى زمن من تراث ساسة كان لممارسة العمل السياسي في عهدهم معنى حقيقي، قوامه الصدق والأمانة والترفع والأخلاق.
أما اليوم، ففي زمن تحولت فيه المصالح إلى إيديولوجية تُبنى عليها التحالفات، وتحولت معه الأحزاب السياسية إلى وكالات تمارس السياسة كحرفة تجارية، تبحث لنفسها عن مريدين بدل المناضلين، وسيطر زعماء من صنف غريب على مفاصل المشهد السياسي؛ فلا زاد فكري لديهم يمكن الاعتماد عليه لتأطير المواطنين، ولا في سيرتهم النضالية مواقف سياسية يخلدها التاريخ، ولا تنطق ألسنتهم بمقولات أو تعابير يمكن أن تشكل إرثًا للمناضلين من بعدهم.
اليوم، سيد الموقف هو المال كمدخل إلى السياسة من بوابة الانتخابات، والخطر الأعظم هو مصدر هذا المال الذي يوزع وينفق بسخاء خلال كل محطة انتخابية.
نزار بركة، كأضعف زعيم عرفه حزب الاستقلال، هذا الحزب الذي يعتبر الأب الشرعي الذي تفرع عنه جزء كبير من أحزاب الحركة الديمقراطية، التي بدورها احتضنت مشاريع أحزاب يسارية كان لها دور أساسي ومهم في وشم المشهد السياسي المغربي والمساهمة في رسم ملامح مغرب اليوم.
ورغم الانتكاسات والتراجعات وشراسة مقاومة جيوب الريع المصالحي المتعدد الأوجه، الذي استطاع، للأسف، اليوم أن يخترق حتى أحزابًا وطنية عريقة، لم يبق منها سوى الاسم الذي فقد بريق مصداقيته وقوة حضوره الشعبي الحقيقي الخالص.
عبد الرحيم بوعيدة مزعج بخطابه، مزعج بصراحته، مزعج بنقائه، ومزعج بفهمه للسياسة باعتبارها وسيلة لخدمة الوطن والمواطنين.
مزعج عندما صرح من قبة البرلمان بأنه لا يمكن للمؤسسة التشريعية أن تكون فاعلة وثلثا أعضائها لا يتوفرون على الحد الأدنى من الدراسة.
مزعج عندما رفض مليار سنتيم عُرض عليه من أجل التنحي عن المشهد الانتخابي بكلميم.
مزعج عندما خرج مرفوع الرأس من رئاسة جهة كلميم واد نون، مخلفًا وراءه في خزينة الجهة ستة وعشرين مليار سنتيم، تبخرت من بعده دون أن يظهر لها أثر ملموس على الساكنة.
مزعج لأنه لم يكن يستعمل وسائل النقل الخاصة بالجهة عندما كان رئيسًا لها، وكان يكتفي باستعمال سيارته الخاصة.
مزعج لأنه كان قريبًا من الشباب والطلبة والفقراء.
مزعج لأنه كان يحمل هم وطن.
وبالتالي، فإنه لا ينتمي إلى النموذج المطلوب اليوم.
استقالة عبد الرحيم بوعيدة اليوم ليست استقالة شخص عادي يريد بعض بزناسة الانتخابات تصويرها على أنها مجرد ردة فعل على نزع التزكية الانتخابية.
إن الاستقالة اليوم تحولت إلى نقطة نظام في مشهد سياسي مختل، تُمنح فيه التزكيات وفق ترضيات مصلحية، مؤطرة بمواصفات الخنوع، يفترض أن يحمل أصحابها شواهد عليا في القدرة على التصفيق والتطبيل.
البروفايل المطلوب اليوم هو محترفو الهمزة، مهندسون مختصون في كيفية الاغتناء عن طريق العمل السياسي.
وكوارث المنتوج المقدم إلى حد الآن، كعصارة لمشهدنا الحزبي الوطني في غالبيته، يراد منها فقط تعميم انطباع سيئ عن السياسة كممارسة وسلوك.
والغريب في الأمر هو معاودة طرح الأسئلة الغبية التي تبحث عن أسباب عزوف الشباب عن السياسة، وتدني المشاركة في العملية الانتخابية، وتزايد الأوراق الملغاة خلال كل محطة انتخابية.
نعم، استقال بوعيدة، وسبقه عمر بلافريج، وسبقهم في ذلك عبد الرحمن اليوسفي.
لكن الوطن سيعود يومًا إلى أبنائه البررة.
كان محمد نوبير الأموي، رحمه الله، يردد جملة تقول:
«لا وجود لضربة قاضية في السياسة، هناك فقط تراكم…»
بقلم : محمد الداودي
