أزمة “الإستقلال” و مسألة لا يتحدث عنها أحد…

بقلم: ذ. علي بونوا

 

 

حين كانت الإنتخابات و صناديق الإقتراع هي المحدد الأساسي للخريطة السياسية في البلاد، و وفقها يتم فرز من نال ثقة الشعب ليحكم باسم الشعب، و يكون كل ذلك بمراعاة مصالح الشعب، وجب على من يؤلف الحكومة المنتخبة أن لا يتبع هوى نفسه و يتغاضى عما يريده الشعب الذي صوت عليه. إذا أخذنا هذا بعين الإعتبار، فسيتضح لنا كثير مما غفل عنه حزب الإستقلال و قيادته و مجلسه الوطني في قراره بالإنسحاب من الحكومة الحالية.. و من ذلك أن صلة الحزب تنقطع فعليا مع الشعب مباشرة بعد ظهور النتائج النهائية لعملية فرز الأصوات في الإنتخابات. و هذا يعني أن الحزب و بمجرد حصوله على المقاعد التي تضمن له مقعدا في الأغلبية و بالتالي في الحكم و السلطة حينئذ لا يأبه لإرادة الشعب و لا يلتفت لمصالحه بل يكاد يقطع كل صلة به حتى أنه يجعل اللقاءات التواصلية مع أبناء الشعب موسمية لكي لا نقول منعدمة.

و لعل قرار الإنسحاب المثير للجدل دليل على ذلك، فمهما تمعنا و تأملنا في هذه الأزمة السياسية التي ترتبت عما خرج به المجلس الوطني الأخير لحزب الميزان من قرار و مهما بحثنا في أبعاده لن نجد بين طياته ما يؤكد أن حزب الإستقلال غلب مصالح الشعب و إرادة كل من صوت عليه و آمال متعاطفيه، بل لا نكاد نحلل المسألة إلا و نلتمس تغليبا أنانيا لنزعة قيادية و أطماع سياسية و رغبة جامحة في إذعان الآخر و ابتزازه؛ و للأسف يبقى الشعب مقصيا و غير ممثل في كل ما يتم اتخاذه من قرارات.

أ هي الديمقراطية أم تلك أعراضها الجانبية فقط؟ لا زلت أتذكر تعريف الديمقراطية في مقرر دراسي لمادة التربية الوطنية في المستوى الإبتدائي في عهد الملك الراحل “الحسن الثاني” رحمه الله؛ الديمقراطية هي حكم الشعب نفسه بنفسه. صحيح أن العهد ليس نفس العهد، و الملك ليس نفس الملك و حتى المجتمع ليس نفس المجتمع.. كل أولئك طالهم التغيير، لكن و كما أظن المصطلح و المفهوم لم و لن يتغير. التعريف المذكور و رغم الإختصار الشديد الذي يميزه إلا أنه يختزل كنه الكلمة. و على ضوء نفس التعريف نتسائل هل فعلا الشعب يحكم نفسه بنفسه في النظام الديمقراطي و لنأخذ الحالة المغربية نموذجا. هل يمثل القرار الذي اتخذه حزب الميزان، في ظرفية سياسية و اقتصادية حرجة جدا، أو يلائم ما يريده الشعب في شخص من انتخبه و صوت عليه؟

قد يكون جزء من الناخبين صوتوا على مجموعة أشخاص و ليس حزبا بعينه، و قد يكون جزء آخر منهم صوتوا على برنامج انتخابي و ليس على أشخاص و قد يكون جزء ثالث صوت لغايات أخرى غير التي أقيمت من أجلها الديمقراطية أصلا.. هذا كله وارد و أشياء غيره، لكن أين أداء الحزب، بعد الإقتراع، مما يريده الشعب؟ أين قيادة الحزب السياسي من مصلحة الشعب بطبقاته المختلفة؟ أين النخبة السياسية من التعاقد الضمني بين الناخب و المنتخب بعد توزيع الحقائب الوزارية؟ أليس فيما يقرره حزب، أوجدته حاجة الشعوب لمن يحكمها باسمها و لصالحها، حق أو مصلحة؟ إذن فلماذا لا يراعيها و يأخذها بعين الإعتبار من بيده زمام أمر الحزب السياسي. أ هو -إن جاز التعبير- شطط في استعمال الديمقراطية؟

هل يعقل أن يكون قرار حزب الإستقلال، ذو التاريخ العريق و النضال العتيق، أول من يكشف عن عيوب الديمقراطية في مغرب ما بعد 20 فبراير و 09 مارس؟ هل من المقبول أن يكون حزب الميزان أول من يخون الشعب، بداعي الديمقراطية، في ظل دستور 1 يوليوز 2011؟ لو تم ذلكم و كان لحزب الإستقلال ما أراد و أحدث من التبعات و التداعيات ما لا تحمد عقباه على جميع الأصعدة فسيكون كارثة قد تعصف بكثير من المكتسبات. ربما قد يظهر شيئا يسيرا لمن يعايشه و يعاصره، لكن الأمر مرشح ليكون مصابا جللا و ضربة موجعة لما بات يعرف ب”الإستثناء المغربي”. بل و ينذر، إن تفاقم، أن يكون شائبة في تاريخ بلادنا نورثها للجيل الصاعد في الأمة على خلاف ما يرجوه الشعب بنخبه و طبقاته.

إن كانت الإنتخابات هي جوهر الديمقراطية التي يحكم بها الشعب نفسه بنفسه، فلما لا نحررها و نهيئها لتكون فعلا هي القول الفيصل بين الفرقاء السياسين و الفاعلين الحزبيين؟ أم أننا سنظل نعبئ الشعب ليدلي بصوته، كحق دستوري و واجب وطني، ليختار من يريد أن ينوب عنه في تسيير شؤونه و تدبير مصالحه، ثم بعد ذلك يتم تقسيم الحقائب الوزارية بين أحزاب متعددة و غير متجانسة بالضرورة، و كأننا نقول للشعب إن طريقة تصويتك جعلت أصواتك تتشتت في أياد عديدة، وهذه الأيادي العديدة هي التي ستحكمك و لست أنت من تحكم نفسك بنفسك. إذا كانت هذه هي الديمقراطية و تلك هي الإنتخابات فالشعب في المغرب لن يحكم نفسه بنفسه أبدا. 

أعتقد أن أزمة حزب الإستقلال الحالية و الغياب المؤقت لصاحب الجلالة الملك محمد السادس عن أرض الوطن من جهة و الصمت الديبلوماسي لرئيس الحكومة و تواري حميد شباط عن الأنظار من جهة أخرى، كانت فرصة فسيحة لفتح نقاش وطني عام حول مجموعة من الملفات أبرزها نظام الإنتخابات بالمغرب و التحالفات الحزبية و مدى احترام الأحزاب السياسية لبرامجها الإنتخابية و وفائها بوعودها للشعب المغربي. و ما لوحظ عبر الإعلام الرسمي و غير الرسمي خلاف ذلك تماما للأسف الشديد، لا نقاش إلا على الأزمة و احتمالات ما سيقع لا غير، نقاش لا يكاد يخلو من السباب و التهم و التهكمات المتبادلة؛ و يغفل الكثيرون التطرق للحلول و اقتراح البدائل. كان من الواجب على الساسة بكل توجهاتهم أن يغلبوا الصالح العام على المآرب الشخصية و النزعات الذاتية فهم لا يمثلون بالضرورة أنفسهم أو تنظيماتهم الحزبية إنما يمثلون بالأساس شعبهم الذي لم يصوت عليهم ليقتسموا أصواتهم كما لو كانت أسهما في شركة تجارية لتعود عليهم بالربح في بورصة القيم و يبقى الشعب في بؤسه الأبدي.  

و من مظاهر هذه المسألة المطروحة التي تغيب عن أذهاننا كثيرا، و هي مسألة مدى تعبير قرارات الأحزاب السياسية عن إرادات الشعب؛ هنا أذكر مظهرا محيرا فعلا في الحالة المغربية: بعد تنامي الحراك الشعبي بقيادة حركة 20 فبراير الشبابية إبان الربيع الديمقراطي تمت الإطاحة بالحكومة التي كان يقودها حزب الإستقلال آنذاك، فلماذا عاد الحزب نفسه ليدخل في تشكيل حكومة جديدة؟ أم أنه نظام الديمقراطية و الإنتخابات مرة أخرى؟ و على هذا الأساس يبدو أن لا مناص و لا بد من تعديل نظام الإنتخابات؛ فلا يعقل أن يتغير كل شيء إلا ما يتعلق بجوهر الديمقراطية ألا و هو الإنتخابات و نظامها. و بالتالي فإن أراد الشعب التغيير فإن التغيير الحقيقي يشمل كذلك الوسائل و ليس الغايات فقط. خلاصة القول، أن المرحلة تحتم نظام انتخابات جديد يكسب صوت الشعب تأثيرا و قيمة و قوة. 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد