بقلم : أحمد بوعلفة
كان الإنسان هو دائما صانع الآلة …ولكن الإنسان صنع بعض الآلات والأجهزة، التي لم يلبث أن أصبح الإنسان نفسه ” من صنعها”
نحن في عصر ليس له إسم أدق من أنه ” عصر المعلومات”
كان الإنسان قديما يتأثر في تكوينه وفي شتى مراحل حياته بالأسرة ، والبيئة والمدرسة ، والوطن وكل ما يشب عليه …
لكن الثغرة الأولى التي فتحت في هذا الجدار، كانت يوم اخترعت المطبعة : وظهر الكتاب ، والجريدة ، والمجلة . أي الكلمة بشكل عام .
مهما كان المرء بعيدا، فهناك احتمال أن تتدرج إليه ، حيث هو موجود ، قطرات من تأثيرات خارجة عنه ، متسربة إليه ولو شفاها ، من كتب ومطبوعات تصدر في أماكن بعيدة …
ولكن الثورة الالكترونية التي تفجرت في الثلاثين سنة الماضية ، غيرت الانسان ، بأكثر مما غيره أي شيء أخر طوال ثلاثة ألاف سنة .
الإنسان اخترع السيارة والطائرة والدبابة وآلاف الأدوات . وقد أثرت الأدوات بالتأكيد على حياة العالم ، فقامت دول وانهارت دول ، وقصرت المسافات ، إلى آخر ما يمكن أن يقال – وهو معروف- في هذا المجال . ولكن هذه الأدوات ، حتى التليفون والكهرباء وغيرها ، وظلت أدوات في يد الإنسان ، يستخدمها ولا تستخدمه.
إلا عصر الاختراعات الالكترونية ..
هذه الأدوات الهائلة العجيبة ، التي أشرنا إليها سابقا ، صارت لأول مرة هي التي تؤثر في الإنسان ، وليس العكس . بل إنها في الواقع تصنع نوعا جديدا من البشر ، دون أن تدري ذلك…
على المستوى العالمي ، ألف مرشال ماكلوهان كتابا اسمه “القرية العالمية THE GLOBAL VILLAGE” . فأنت تعرف بما يحدث في اخر الدنيا ، قبل أن تعرف ما حدث في طرف آخر من القرية التي تسكنها وتعيش فيها وتعرف كل فرد من أفرادها . وأنت لا تشهد بالضرورة جريمة قتل وقعت في بلدة تعيش فيها ، ولكنك تعرف – وتشاهد بالألوان الطبيعية على شاشة التليفزيون – اغتيال جون كنيدي في امريكا . أو الحرب بين العراق وإيران ، أو المؤتمر الصحفي الذي يعقده بوش في وانشطن ، أو حفل تنصيب أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية ، أو محاكمة أرملة ماوتسي تونغ في بكين . بل إن الكاميرا التي تنقل لك هذا تدخل إلى البيوت ، وتسير في الشوارع.
الأخطر من ذلك أن هذا كله يأتيك من عقر دارك . ودون أي مجهود ، تراه وأنت متمدد في فراشك ، أو جالس على مقعد وثير ، أو بأي صورة تناسيك … الأمر يجعل كل مسام الجسم وحواسه مفتوحة للتأثر مهما كانت مقاومة المرء لما يرى ويسمع .
ليست العيد وحدها ، او العقل وحده هو الذي يتأثر كما هي الحال بالنسبة للكلمة المطبوعة . فالتليفزيون يقدم صوتا ، وصورة ، وألوانا ، وأحكاما ، وموسيقى وديكور ، وهو يتحدث دون انقطاع عن كل شيء يخطر على البال : لعب أطفال ، طريقة طبخ الطعام ، تفصيل الثياب ، ودوق الألوان ، وجاذبية المباريات الرياضية ، والإعلانات عن تفاصيل كل شيء من قطعة الصابون الى السيارة الى فرشاة الأسنان .
خطورة التليفزيون مثلا ليس في أنه يتكلم عن كل هذا ، ولكن في أن كل هذا متجمع ، نابض ، حي .. خارج من صندوق صغير واحد . يخاطب العيد والأذن والعقل والعاطفة الشعور واللاشعور والغرائز والدوافع ، وكل ما في تكوين الإنسان من جوانب مادية ومعنوية تجعله ” إنسانا” .. إذن فهي تدخل ” إعادة تصنيع الإنسان ” . خصوصا الأجيال التي بدأت طفولتها مع التليفزيون ، وستنتهي مع التليفزيون .
ونحن عادة نتحدث عن هذه الأجهزة الالكترونية ، معلقين على نوع إنتاجها . هذا برنامج جيد وذاك برنامج سخيف . هذه أخبار صحيحة وتلك اخبار مضللة . هذه دعاية حكومية وتلك وقائع حقيقية .
ولكن مارشال ماكلوهان يصل إلى غير هذا :
إننا حين نتحدث عن نوع الرسالة التي يوجهها التلفيزيون ، إنما نتحدث عن شيء جانبي . هو يقول أن التليفزيون نفسه هو الرسالة . أو أن الإعلام نفسه هو الرسالة .
كان ذلك في أحد اشهر كتبه باسم ” الإعلام هو الرسالة ” « THE GLOBAL IS THE MESSAGE » أي ان المشكلة الأساسية .ليست في نوع الرسالة . ولكن في ” الأداة” نفسها إنها هي الجديد . أنها هي الهدف . انها هي القوة الصاغية التي تشكل الإنسان ، يصرف النظر عن نوع أو مستوى ما تقوله .
فهذه الوسيلة – التليفزيون مثلا- ليست محايدة على الإطلاق . ولا تستطيع أن تكون كذلك مهما حاولت – أنها تأخذ بتلابيب الفرد ، تحدثه بلا انقطاع ، تحطمه او تدلله وتهدده ، تلقنه تقدم له الأشياء ، إنها الأداة نفسها مصدر الخطر . لنها عبر سنوات وسنوات ، من هذه المطاردة للفرد ، تمحو الكثيرمن شخصيته . وتعيد تشكيل هذه الشخصية إلى حد بعيد .. بالصوت واللون والصورة والحركة والتكرار والالحاح والجاذبية وعدم اجهاد الإنسان “المتلقي” لكل هذا .
صارت هذه الأدوات امتدادا للإنسان كما صار الإنسان امتدادا لها .
كما كانت ” العجلة ” عند اكتشافها ، امتداد لأرجل الإنسان وتمكينا لها من السير أسرع.
وكما كانت جدران المنزل مكانا للإنسان أوسع من (جلده) فهده الأجهزة الإلكترونية وسعت ، وغيرت ، كل حواس الإنسان ، وسعت أفاق العين ، والأذن والعقل ، والذوق ، والشعور ، واللاشعور ، صارت أجزاء وأطراف جديدة من الإنسان لا غنى له عنها ، وصار الإنسان يتحرك ويتصرف متأثرا ومربوطا بهذه الأدوات ولا يستطيع الخلاص من وجودها في كل خلية من خلايا كيانه .
وق تنبه مارشال ماكلوهان بالطبع إلى استخدام الجهات ذات السلطة او القوة او المال لكل بهبذا في ” إعادة صياغة ” الفرد والتأثير عليه . ولكن لا أعرف أنه ركز على هذه القضية الخطيرة . ولا أعرف أنه اقترح حلولا لها …
إنه فقط وصف كتاباته بأنها ” محاولة لفهم العصر الإلكتروني حتى تقلل أخطاره ” ولكنه لم يقترح حلولا .
ومن يدري ؟
ربما كان “الفيديو” و ” الكاسيت” الذي يختاره الفرد ، خطوة في طريق التحرر من عنصر “الجبر والإلزام” الذي يخضع لع الفرد إزاء ما ترسله تلك الأجهزة . وقد يأتي العلم نفسه بمخترعات تفك الإنسان من آسر الالكترونات ، بعد أن استبعدته تلك الإلكترونات ؟

