فيضانات القصر الكبير… حين تكشف الأمطار هشاشة البنية الحضرية وتعيد طرح سؤال التدبير

الصحراء 24 : الشيخ احمد

تعرف مدينة القصر الكبير، خلال الأيام الأخيرة، وضعًا مقلقًا بسبب الفيضانات التي خلفتها التساقطات المطرية الغزيرة، والتي تحولت من نعمة منتظرة إلى مصدر قلق ومعاناة حقيقية لعدد كبير من الساكنة. فقد غمرت المياه شوارع وأحياء سكنية، وتسببت في تعطيل حركة السير، وإلحاق أضرار مادية بالمنازل والمحلات التجارية، ما أعاد إلى الواجهة إشكالية البنية التحتية وقدرتها على استيعاب التقلبات المناخية المتزايدة.

ورغم أن القصر الكبير مدينة ذات موقع جغرافي حساس، وقريبة من وادي اللوكوس، فإن مشاهد غرق الأزقة وتعطل شبكات الصرف الصحي كشفت مرة أخرى عن هشاشة منظومة تصريف المياه، وضعف الاستعداد المسبق لمواجهة مثل هذه الحالات، خاصة في الأحياء الشعبية والمناطق المنخفضة.

الساكنة، التي وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع المياه المتدفقة، عبّرت عن استيائها من تكرار السيناريو نفسه كلما عرفت المدينة تساقطات مطرية قوية، معتبرة أن الأمر لم يعد مرتبطًا فقط بغزارة الأمطار، بل بسوء التخطيط الحضري، وغياب الصيانة الدورية لقنوات التطهير السائل، إضافة إلى الاحتلال العشوائي للمجاري الطبيعية للمياه.

وفي مقابل ذلك، تحركت السلطات المحلية ومصالح الوقاية المدنية للتدخل من أجل الحد من الخسائر، من خلال شفط المياه وتأمين بعض المحاور الطرقية، غير أن هذه التدخلات، رغم أهميتها، ظلت في نظر عدد من المواطنين ذات طابع استعجالي أكثر منه وقائي، ولا تعالج جذور المشكل.

وتطرح فيضانات القصر الكبير، كما في مدن مغربية أخرى، سؤال الحكامة الترابية ونجاعة السياسات العمومية في مجال التهيئة الحضرية والتكيف مع التغيرات المناخية. فالمؤشرات المناخية تؤكد أن الظواهر القصوى، من أمطار غزيرة أو موجات حر، مرشحة للتزايد، ما يستدعي انتقالًا من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق.

ويرى فاعلون محليون أن معالجة هذا الوضع تتطلب رؤية شمولية، تقوم على إعادة تأهيل شبكة الصرف الصحي، واحترام تصميم التهيئة، ومنع البناء في المناطق المعرضة للفيضانات، إلى جانب إدماج البعد البيئي في السياسات المحلية، وتعزيز التنسيق بين الجماعة الترابية ومختلف المتدخلين.

كما لا يمكن إغفال البعد الاجتماعي لهذه الكارثة، إذ غالبًا ما تتحمل الفئات الهشة العبء الأكبر من الخسائر، في غياب آليات فعالة للتعويض والدعم، ما يعمق الإحساس بالتهميش ويقوض الثقة في المؤسسات.

إن ما يجري بالقصر الكبير ليس حدثًا عابرًا، بل رسالة إنذار حقيقية تستدعي وقفة تقييم ومحاسبة، وتفرض التفكير الجدي في نموذج تنموي حضري أكثر صلابة وعدالة. فالأمطار، مهما اشتدت، لا ينبغي أن تتحول إلى كارثة، إذا ما توفرت البنية التحتية السليمة، والتدبير الرشيد، والإرادة السياسية الحقيقية لحماية المدينة وساكنتها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد