بقلم : أحمد بوعلفة
لقد ترك الأفيون بصمات واضحة على العلاج وتاريخ الشعوب ، والكشف عن افيونات المخ سيؤدي حثما إلى نتائج مبهرة تخلق بالتالي ثورة أخرى في علاج الالآم وبالتالي الكشف أسرار الجهاز العصبي .
ولقد عرف الانسان الأفيون الذي يستخرج من نبات الخشخاش منذ أربعة ألاف سنة قبل الميلاد ، وفي خلال تلك السنوات الغابرة حقق العلم اكتشافات عظيمة جدا وخصوصا في مجال افيونات المخ الحيواني والبشري على السواء ، هذا الذي جعل العلم يكتشف أن المخ له من القدرة الشيء الكبير حيت يستطيع أن يصنع الأفيون التي يتشابه في المفعول مع افيونات النبات.
والأفيون الذي عرفه الإنسان منذ ستة ألاف سنة يستخرج من نبات الخشخاش أو أبو النوم واسمه العلمي (papaver somniferum) وهو نبات موطنه الأصلي الشرق الأوسط والهند وجنوب شرق أسيا في بورما ولاوس وتايلاند كما أنه كان يزرع في الصين . والأفيون يستخرج من كبسولات نبات الخشخاش خلال فترة معينة لا تتعدى عشرة أيام غب العام ، حيث تشرح الكبسولات دائريا بسكين فينساب منها عصير لبني ، يتحول عندما يجف الى مادة بنية اللون لزجة هي الآمنون . واسم الآمنون ربما يكون مشتقا من الإنجليزية (opîum) المشتق من اليونانية من أبيون وابيوس بمنعي عصير وقد استعمل القدماء المصريون الأفيون في العلاج وورد ذكره في تاريخ المصريين القدماء ، وقد استعمله الرومان والإغريق والعرب استخدموه للعلاج ، وقد استعمله المداوون العرب بنجاح منقطع النظير ونقل عنهم إلى أوروبا . ويرجع الفضل إلى العالم باراسيلسوس في تعريف أوروبا بمنافع الأفيون في العلاج وفي العصور الوسطى استعمل الأفيون على شكل صيغة الأفيون في الكحول لإزالة الآلام ولإحداث حالة الانسجام والشعور بالارتفاع عن الواقع .
وبدأ تحضير الأدوية المسجلة من الأفيون في القرن 19 ، حيث استعملت مستحضرات الأفيون في علاج الآم التسنين عند الأطفال وعلاج الكحة والإسهال والدوستناريا واّلآم الروماتيزم ، وقد كان الأفيون هو دواء القرن التاسع عشر وبدونه لتوقف عن العلاج والمداواة .
ولقد صاحب استعمال الأفيون في العلاج للترفيه والانسجام فأدمنه كثير من الأدباء والفنانين من انجلترا أمثال توماس دي كونيسي الذي اشتهر باعترافات أكل الأفيون وصامويل كوليديرج الذي قال أن الأفيون هو السبب في قلة إنتاجه كما كان السبب في إهمال عائلته في ّأواخر أيامه . وبالطبع فقد أدمن الأفيون أيضا الكثير من المشتغلين بالطب والعلاج في هده الفترة.
وللأفيون قصة مثيرة ومحزنة مع الصين فقد أدخل للصين منذ حوالي ألف عام بعد الميلاد واحتكر تدخينه صفوة من سكان البلاد ّ، وكان نبات الخشخاش يزرع في الهند ويهرب إلى الصين من طريق كانتون واحتكرت شركة الهند الشرقية زراعة وتجارة الأفيون الذي كان مصدر ربح عظيم الشركة والتجار الأوروبيين والصينيين . وعندما انتشر إدمان الأفيون بين الشعب الصيني عين الإمبراطور حاكما جديدا على كانتون وقام الحاكم الجديد عام 1838بإغراق وإتلاف كل الأفيون الموجود على السفن الإنجليزية ، وفي مرة واحد أتلف 2640.000 رطل وقد تسبب ذلك في خسارة شركة الهند الشرقية ، وأدى إلى القيام حرب الأفيون بعد عام (1840 – 1842) واحد حيت تمكنت القوات البريطانية بمساعدة أقوى أسطول بحري في العالم في دلك الوقت من هزيمة 350 مليون صيني وتنازل الإمبراطور للانجليز عن جزيرة هونج كونج وأعطاهم تعويضات كبيرة كما تمتعوا بحقوق عديدة من التجارة وبالذات تجارة الأفيون . وبعد عشر سنوات اخرى قامت حرب الأفيون الثانية حيث أخضعت الصين تماما لنفوذ الأوروبيين ، وراح الشعب الصيني ضحية لإدمان الأفيون إلى أن تنبه الوطنيون إلى ذلك وحاربوا الأفيون حتى قضوا عليه تماما بعد الحرب العالمية الثانية .
بديل الأفيون
بحنوي الأفيون الخام على العديد من المواد الفعالة التي تعرف باسم أشباه القلويات حيث تكون أملاحا مع الأحماض وفي عام 1806 حقق الصيدلي الألماني فريدريك سيرتيورنر نصرا علميا عظيما فقد فصل لأول مرة في التاريخ مادة دوائية نقية منن الأفيون الخام وهي مادة بيضاء سميت باسم المورفين نسبة إلى إله الأحلام عند الإغريق مورفيوس ، وتبع ذلك اكتشاف العديد من المواد الفعالة من الأفيون مثل الكودايين والذي يستعمل في علاج الكحة ، ومازال يحتل مكانة عظيمة حتى الآن في معظم أدوية الكحة … كمما يحتوي الأفيون أيضا على مادة التوكساتيين الذي يستعمل في علاج الكحة والبابافرين الذي يستعمل في علاج المغص الكلوي .
ودخل المورفين الاستعمال الطبي 1830 وبعد اختراع الحقن والإبر عام 1853 استعمل المورفين عن طريق الحقن في الوريد أو تحت الجلد وشاع بين الجنود إثناء الحرب الأهلية الأمريكية والحرب البروسية الفرنسية ، وسمى دلك بمرض الجنود .
وفي محاولة العلماء للتخلص من إدمان الأفيون اخترعوا بديلا عنه عبارة عن ثنائي خلات المورفين ويحضر بمعالجة المورفين بحمض الخليك وسمي هذا الدواء الجديد باسم هيروين من الكلمة الإنجليزية هيرو (hero) أي البطل ن وللأسف لم يكن الهيروين بطلا وإنما كان عقارا اشد فتكا ووبالا من المورفين ، وزاد الإدمان عن طريق شمه أو حقنه ولم يستعمل طبيا . ومازال استعماله لرفع من درجة الانسجام يسبب أضرارا صحية واجتماعية جسمية حتى الآن .
وفي مرحلة ثانية تم تخليق العديد من المركبات الكيميائية التي لها مفعول المورفين مثل الميثادون والبانتيون والسوسيجون ، وغيرها وتعرف جميعا بأن لها مفعولا باسم مجموعة الأفيونات . وتتميز جميعها بان لها مفعولا على الجهاز العصبي والجهاز الدوري والتنفسي والهضمي يشبه مفعول المورفين . فالأفيونات جميعا تزيل الآلام الشديدة وتقلل من درجة إحساس المخ بالألم كما أنها تهبط الجهاز العصبي وتحدث حالة الانسجام النفسي والشعور باعتدال المزاج وتؤدي إلى الإدمان . وتسبب الأفيونات فقد القدرة على التحكم العضلي وتسبب النعاس والنوم . وتقلل الأفيونات من سرعة ضربات القلب . وفي حالة التسمم بها يتوقف التنفس والقلب . كما تؤثر الأفيونات على الجهاز الهضمي فتقلل من حركة المعدة والأمعاء ومن إفراز العصارة الهضمية فتقلل من حركة المعدة والأمعاء ومن إفراز العصارة الهضمية وتزيد من تقلص عضلات الأمعاء الغليظة وعضلة الشرج مما يسبب الإمساك . كما أن للأفيونات خاصة تضييق انسان العين . ويمكن معرفة مدمن الأفيون بالنضر إلى انسان عينيه حيث يكون ضيقا جدا ولا يتسع انسان العين إلا إذا تعرض كما يحدث للعين الطبيعية . والجرعة العلاجية للمورفين حوالي 16 ميلي غرام من المورفين .
بحث في المخ :
وتتميز الأفيونات بأن لها خاصية إحداث التحمل والإدمان من مجرد الاستعمال لفترة قصيرة حيث يحتاج المدمن إلى كميات أكثر للشعور بنفس الإحساس كما يعتمد المدمن جسمانيا ونفسيا على الأفيون حيث لا يستطيع أن يعمل أو يفكر أو يؤدي أي وظيفة من الوظائف الفسيولوجية إلا إذا تعاطي البعض القليل من الأفيون كما انه يفكر دائما في إيجاد الوسيلة التي تمكنه من الحصول على الأفيونات وغالبا ما يؤدي دلك الى العنف والجريمة . وعند انقطاع الأفيونات عن المدمن تحدث له أعراض شديدة تسمى أعراض انقطاع الأفيون وتشمل في عمومها وظاهريا ، رشح الأنف وتقلص العضلات وتدمع العينين ، والألم يصيب عامة الجسد زيادة على هذا القيء والإسهال ، وعرق وانخفاض في درجة حرارة الجسد وتسرع ضربات القلب وارتفاع في ضغط الدم وهستيريا ونوبات من التشنج والصرع ، ويعالج إدمان الأفيون في مصحات خاصة بدواء أفيوني آخر وهو الميثادون ، وفي حالات التسمم بالأفيونات يستعمل دواء النالوكسون المضاد للأفيون حيث أنه قادر على تنشيط التنفس ومضادة تأثيرات الأفيون .
ونظرا للخصائص المميزة للأفيونات على مخ الإنسان فقد دأب العلماء على بحث كيفية إحداث الأفيونات لهده الآثار على المخ وتوصلوا إلى الكشف عن وجود متقبلات أفيونية بخلايا المخ وهذه المتقبلات ترتبط بالأفيون ويحدث نتيجة لدلك تأثير المزيل لألام وقد أمكنت تحديد هذه المتقبلات الأفيونية ميكروسكوبية ، كما أمكن فصلها كيمائيا التعرف عليها وعلى كيفية اتحاد الأفيونات معها .
وبدأ السؤال عن أسباب وجود هذه المتقبلات الأفيونية من المخ وهل توجد في المخ مواد افيونية تتحد بها كما يحدث مع المواد الكيميائية الناقلة في المخ مثل الأدرينالين والأستيل كولين حيث توجد لها متقبلات خاصة بهما . كذلك هل يمكن أن تكون هذه المواد الأفيونية مواد ناقلة في الجهاز العصبي مثل السيروتونين وحمض جاما انتبيوتريك وحمض جلوتاميك ومواد أخرى عديدة .
وقد أجابت على هذه الأسئلة تجارب فاركولوجية معملية .
تجارب على الفئران
فمن المعروف أن الحث الكهربائي لبعض أجزاء المخ يؤدي إلى حالة عدم الإحساس بالألم . واتضح ان هذه الحالة يمكن معادلتها بدواء النالوكسون المضاد للأفيون . وقد أجريت هذه التجربة على مخ الفار المعملي وقد قوى دلك الإفتراض القائل بوجود مواد افيونية في المخ .
وفي تجربة أخرى ثبت أن حقن خلاصة مخ الحيوانات في حيوانات التجارب يحدث تأثيرات مماثلة للأفيون ودعم ذلك نظرية وجود افيونات بالمخ .
وفي عام 1976 جاء العالم هيوز وزملائه بالدليل القاطع حيث نشروا اكتشافاتهم لمادتين بيبتدتين في مخ الخنزير لهما مفعول افيوني قوي وقد سميت هذه المواد الأفيونية المخية باسم الأنكفالينات وهي تتكون من مجموعة بيتيدية من من خمسة أحماض امينية وهي نوعان ميت انكفالين وليوانكفالين طبقا لإجتوائهما على حمض اميني ميثيونين وليوسين . وعرف ذلك أن هذه الأفيونات المخية تشتق من بروتين تفرزه الغدة النخامية في المخ اسمه بيتا ليبوتروبتين وكان قد سبق للعالم ” لي ” أن فصل هذا البروتين من المخ قبل دلك بعشر سنوات .
وبعد اكتشاف الأنكفالينات اكتشفت مواد بيبتيدية أخرى في المخ عرفت باسم الأندورفينات وهي ثلاثة أنواع الفا اندورفين وتتكون من 16 حمضا وبيتا انورفين وتتكون من 17 حمض اميني وجاما اندورفين من 31 حمضا امينيا وكلها ذات مفعول أفيوني على المخ .
وفي سنة 1980 تم فضل مادة افيونية أخرى من المخ تسمى دينورفين وعند حقن الأفيونات المخية في الحيوان والإنسان وجد أنها تشبه المورفين في مفعولها وأنها لا تحدث مفعولا في الحيوانات التي أدمنت في المورفين وقد تم فصل هذه الأفيونات المخية من السائل المخي الشوكي كما تأكد وجود الأنكفالينات والأندورفينات عن الجهاز العصبي للحيوانات الفقرية كما وجدت في الجهاز الهضمي ، مما يؤكد أن لها دورا في عمله وتؤثر عليه بنفس طريقة المورفين حيث تقلل من حركته وتسبب انقباض الأمعاء كما تأكد الأفيونات المخية تزيل الآلام وتهبط الجهاز العصبي.
والبيبتيدات الأفيونية مفعولها سريع وقصير حيث تتكسر في الجسم بواسطة خمائر تعرف بالبيبتيداز وتحولها الى أحماض امينية .
والمفترض أن الانكفالينات والأندورفينات تقوم بدور في الجهاز العصبي لتقليل الإحساس بالألم وإزالته وأنها تعادل مفعول مادة بي (P) في النخاع الشوكي والتي تسبب الإحساس بالألم . كما انه من المعتقد أن مجموعة المورفين تحدث مفعولها الدوائي من خلال افيونات المخ .
وهنالك تربط بين إدمان الأفيون وأعراض انقطاعه وبين الأفيونات المخية، وتقول هذه النظرية أنه تحت تأثير الاستعمال الدائم للمورفين تحدث حالة فراغ وانعدام لأفيونات المخ مما يسبب الأعراض الخطيرة لانقطاع الأفيون عن المدنين.
ويتجه التفكير الآن إلى اكتشاف أدوية لمنع الخمائر التي تكسر الأفيونات المخية وبالتالي تزيد من كميتها ومفعولها وقد يمكن الاستعاضة بها عن حقن المورفين إذ ستكون الأنكفالينات والأندورفينات هي الأفيون الداخلي للجسم ، وقد لا يسبب دلك حالة الإدمان الذي يسببها الأفيون . وإذا الاعتبار أن خلاصة الكيد تستعمل في علاج الأنيميا والضعف فلربما يأتي الوقت الذي تستعمل فيه خلاصة المخ لعلاج الآلام والإدمان . وحينئذ سيختفي المخ من الأسواق ويوضع في قائمة للمخدرات ؟؟؟؟
