الصحراء 24 : و.م.ع
خلدت أسرة المقاومة ومعها ساكنة مدينة طرفاية، أمس الأربعاء، وفي أجواء مفعمة بقيم الوطنية الحقة وطافحة بروح المواطنة الإيجابية والمسؤولة، الذكرى الثامنة والستين لاسترجاع طرفاية إلى حظيرة الوطن.
وأكد المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، مصطفى الكثيري، خلال مهرجان خطابي نظم بالمناسبة، أن تحرير مدينة طرفاية من قبضة الاحتلال، الذي شكل الحلقة الأولى في مسلسل استكمال الاستقلال الوطني وتحقيق الوحدة الترابية للمملكة، جاء بعد نضال وتدافع وطني مرير خاضه الشعب المغربي الأبي بقيادة العرش العلوي المنيف.
وأضاف السيد الكثيري أن التاريخ يشهد أن قبائل الصحراء المغربية قاتلت بضراوة وشراسة، منذ أواخر القرن التاسع عشر وواجهت كل أشكال العدوان الأجنبي على مجالاتها وحاربت كل الأطماع الاستعمارية في مناطقها.
وذكر الكثيري أن العهد القائم بين العرش والقبائل الصحراوية يعد ميثاقا غليظا والتزاما قويا وأمانة كبرى، حيث حل بمدينة مراكش وفد من قبائل الصحراء يرأسه الشيخ ماء العينين سنة 1907، لتجديد البيعة للسلطان وتقديم طلب الإمداد بالأسلحة للدفاع عن الوحدة الترابية للبلاد.
وأشار الى أن مدن العيون والسمارة وبوجدور وطرفاية والداخلة وطانطان وسيدي إفني ، شهدت مظاهرات تم التنديد فيها بالفعل الإجرامي الذي أقدمت عليه سلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية والمتمثل في نفي جلالة المغفور له محمد الخامس وأسرته الملكية الشريفة إلى المنفى السحيق في 20 غشت 1953، وانخرط أبناؤها في العمليات الفدائية، رغم ما تعرضوا له من تقتيل وتنكيل وتهجير وحصار، لكنهم ظلوا ثابتين على المبدإ، ملتفين حول رمز البلاد، متشبثين بالشرعية، مسترخصين الغالي والنفيس ومقدمين التضحيات الجسام.
كما عرفت سنوات 1947 و1951 انتفاضة قبائل آيت باعمران ضد سياسة القمع والتجنيس الإجباري التي سنتها السلطات الاستعمارية الإسبانية، وتواصلت الانتفاضات الشعبية إلى أن تحقق النصر المبين الذي وعد الله به عباده المؤمنين الصابرين بانتصار إرادة العرش والشعب وتحقيق طموحات وتطلعات بلادنا للحرية والاستقلال والوحدة الوطنية والارتقاء بها إلى مراتب الريادة والتميز في القارة الإفريقية وبين أمم وشعوب المعمور.
ولم يكن انتهاء عهد الحجر والحماية إلا بداية لملحمة الجهاد الأكبر لبناء المغرب الجديد الذي كان من أولى قضاياه تحرير ما تبقى من تراب المملكة من نير الاحتلال.
وفي هذا الظرف، يضيف السيد الكثيري، جاءت زيارة جلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، إلى محاميد الغزلان وخطابه التاريخي بها في 25 فبراير 1958، كدعوة صريحة من جلالته لمواصلة السير على درب الكفاح من أجل استكمال الاستقلال الوطني وتحقيق الوحدة الترابية المقدسة، حيث قال جلالته: “إننا سنواصل العمل بكل ما في وسعنا لاسترجاع صحرائنا وكل ما هو ثابت لمملكتنا بحكم التاريخ ورغبات السكان، وهكذا نحافظ على الأمانة التي أخذنا على أنفسنا بتأديتها كاملة غير ناقصة”.
وهكذا لم يمض على هذه الزيارة الملكية سوى شهر ونصف حتى تحقق بفضل حنكة وحكمة جلالته طيب الله ثراه وبالتحام مع شعبه الوفي استرجاع إقليم طرفاية إلى حظيرة الوطن في 15 أبريل 1958، هذا اليوم الذي جسد مكسبا تاريخيا عظيما اخترق بقوة جدار الآلة الاستعمارية وأفشل مخططاتها وفضح ألاعيبها.
وأكد السيد الكثيري أن هذا الحدث كان له فعل السحر في إذكاء مشاعر الإصرار والعزم على مواصلة مسار الكفاح الوطني من أجل استرجاع باقي أجزاء التراب الوطني تحت قيادة جلالة المغفور له الحسن الثاني، الذي سار على خطى والده في ترسيخ وتوطيد دعائم الوطن وتحقيق وحدته الترابية، حيث تم استرجاع مدينة سيدي إفني إلى كنف الوطن يوم 30 يونيو 1969، لتتوج مسيرة استكمال الوحدة الترابية، بتنظيم المسيرة الخضراء المظفرة التي أبدعتها العبقرية الفذة لجلالة المغفور له الحسن الثاني لاسترجاع الأقاليم الصحراوية المغتصبة ولترفرف راية الوطن خفاقة في سماء مدينة العيون في 28 فبراير 1976، إيذانا بإجلاء آخر جندي أجنبي عن الصحراء المغربية، وكذلك كان يوم 14 غشت 1979، إعلانا عن استرجاع إقليم وادي الذهب إلى حضن الوطن وإنهاء حالة التقسيم والتجزئة التي عانى منها طويلا أبناء الوطن الواحد الموحد.
و أبرز السيد الكثيري أنه وبعد مرور 68 سنة على خطاب محاميد الغزلان وعودة حاضرة طرفاية إلى حضن الوطن، فإن الشعب المغربي اليوم يجني الثمار اليانعة والقطوف الدانية لسياسة حكيمة متبصرة مستشرفة للمستقبل، حاملة للحق ومدافعة عنه ومستبسلة في سبيله، سياسة أثمرت نتائج ديبلوماسية وسياسية باهرة، أعطت للبلاد موقعا متميزا على الساحة الدولية، بقيادة حكيمة ومتبصرة من صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
وذكر أن أبناء هذه الربوع المجاهدة عايشوا مسيرة الوحدة الترابية التي تواصلت واستمرت وتواتر الاشتغال عليها والاستثمار فيها على مدى أزيد من 50 سنة بنفس العزم والحزم والإصرار والروح الوطنية، لتتوج بالانتصار الدبلوماسي الكبير والفتح الجديد ليوم 31 أكتوبر 2025، الذي حققته بلادنا بفضل التوجيهات النيرة والسديدة والقيادة الحكيمة والمتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، بالاعتراف الأممي بوجاهة ومصداقية المقترح المغربي القاضي بمنح حكم ذاتي للصحراء المغربية تحت السيادة الوطنية.
وجرى خلال هذا المهرجان الخطابي، الذي حضره على الخصوص عامل إقليم طرفاية محمد حميم، ورئيس المجلس الإقليمي محمد سالم باهيا، وعدد من المنتخبين ورؤساء المصالح الخارجية وأعضاء أسرة المقاومة وجيش التحرير بالإقليم وفعاليات محلية، تكريم عدد من قدماء المقاومين بالإقليم، وتوزيع مجموعة من الإعانات المالية لفائدة 30 من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وذوي حقوقهم وأبنائهم.
وبهذه المناسبة، قام السيد الكثيري والوفد المرافق له بزيارة لفضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة وجيش التحرير بطرفاية، ولمقر المندوبية الإقليمية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بمدينة طرفاية.

