حقيقة المبادئ

 

 

بقلم : بوعلفة أحمد

 

 

لكلمة “مبادئ” في أحاديث الناس سحر خلاب ، فإذا قيل عن فرد أنه ذو مبادئ ، كان ذلك وحده كفيلا بمنزلة سامية عند السامع ، دون أن يسأل هذا السامع عن تلك المبادئ ماهي؟ فالكلمة وحدها مكتفية بذاتها  وكأنها وردة تفوح بعطرها . وأغلب ظني هو أن هذه اللفظة العجيبة بسلطانها على عقول المتحدثين وقلوبهم ، دروانا على السنة العرب ، أكثر مما أجدها جارية على السنة المتحدثين في  أمم أخرى مما رأيت ، وربما كان ذلك نتيجة لحقيقة حضارية تميز العرب عمن سواهم بعض التمييز ، وهي أن الأولوية عند العربي لمبادئ  الأخلاق ؟ وقد تكون الأولوية عند غيره “للأشياء ” ، فإذا تعارض مبدأ أخلاقي معترف به ، مع تحصيل مال أو عقار أو ما شئت كان الرأي الحاسم عند العربي هو أن يحافظ على المبدأ وأن يضحي بما يتعارض معه . وقد تجد من أبناء الثقافات الأخرى ما يعكس هذا الترتيب ، فاكتساب الأشياء يجيء أولا، ثم تبنى المبادئ على هذا الأساس ، بحيث يصبح معيار العمل  الأخلاقي مقدار ما يترتب عليه  من نفع .

أقول  انه ربما  جاء سحر الكلمة “مبادئ” في مسمع العربي ، ناشئا عن كون تلك المبادئ مرتبطة أساسا بالحياة الخلقية ، وناشئا بعد ذلك عن كون الحياة الخلقية في نظرة العربي ذات أولوية على سواها ، ولعلك تلحظ  في لفظة  “مبدأ ” نفسها ما يدل على النقطة التي “تبدأ” منها السير أو التي نبدأ منها التفكير أنك جين تأخذ في مناشط حياتك اليومية ، لابد لك أن “تبدأ” من دارك ساعيا الى حيث تسعى . وإذا ما هممت برحلة تنجزها ، كان محتوما أن ” تبدأ ” رحلتك من محطة القيام ، وهكذا الأمر في رحلة الحياة بأسرها ، فهي تريد منك مجموعة مبادئ ، أي أنها تريد أسسا راسية راسخة بادئ ذي بدء ، وحتى يتاح لك أن تقيم عليها ما شئت من بناء .

لهذه المكانة المحورية التي تكون للمبادئ في تنظيم مسالك حياتنا جعلنا لها في أنفسنا هذا السلطان . وليس في هذه الوقفة الحضارية شيء يعاب ، بل أنها لوقفة تدعونا إلى الزهو والفخار . لولا ما قد يترتب عليها – إذا ما ضاقت تلك المبادئ عن مناشط الحياة الجديدة – من جمود يقعد بأصحابها عن ملاحقة التطور بالسرعة المطلوبة ، ولشرح ذلك أقول :

لنترك الحياة العملية الأن جانيا ، ولننظر الى العلوم كيف تبنى على “مبادئ ” لكي نرى الطريقة التي  تجمع بها النظرة العلمية ، بين ضرورة ان تقيم بنياتها على “مبادئ ” دون ان تستبعد نفسها لتلك المبادئ وبعدئذ نستطيع أن نحاكي تلك النظرة العلمية ،  في مجال حياتنا العملية ، فنجمع في   ساحتها بين ضرورة المبادئ وامكان تغييرها في آن معا .

ففي العلوم الرياضية ، لابد للعالم الرياضي أن يقدم بفكره حقائق يجعلها مسلمات لا تخضع للمناقشة فهي 

بحكم افتراضها واجبة القبول ، ومنها “نبدأ ” تفكيرنا الرياضي لنستخرج به ما أمكن استخراجه من نتائج تترتب عن تلك المسلمات ، لكن ماذا لو وجدنا تلك النتائج غير ذات نفع لنا في دنيا التطبيق ؟ هنا يعود الرياضي فيقدم لفكره مجموعة  من مسلمات أخرى  ، ويستولد منها نتائجها ، وهكذا ترى أنه بينما وضع “المبادئ ” الاولية شرط ضروري لحركة السير ، فإن لنا حرية تغيير تلك المبادئ بسواها ابتغاء الوصول إلى ما هو أجدى .

وكذلك الأمر في العلوم الطبيعية . فها هنا أيضا يبدأ الباحث بما يسمونه ” فرضا ” أو ” فرضية ” يستخلصها الباحث من المعلومات الجزئية التي جمعها عن موضوع بحثه . ثم يستدل من تلك الفرضية ما استطاع استدلاله من نتائج  صالحة للتطبيق على الواقع العملي ؟ لكن  نسأل ماذا لو وجدنا تلك النتائج غير صالحة للتطبيق العملي ؟ جواب ذلك هو : يعود الباحث إلى وضع فرضية أخرى عساها أن تجيء مواتية. فهاهنا أيضا  نرى جميعا بين ضرورة أن يبدأ السير من “مبدأ” هو الفرضية المقترحة ، من جهة ، وإمكان استبدال غيرها بها إذا وجدناها غير ذات نفع لنا ، من جهة أخرى.

ونعود إلى حياتنا العملية وما تقوم عليه من ” مبادئ ” لنقول ان الأمر في هذه الحالة لا يختلف – أو قل أنه لا يجوز أن يختلف – عن الأمر في ميدان العلوم بشطريها : الرياضي والطبيعي على حد سواء . بين أيدينا في الحياة العملية “مبادئ” ليس منها بد إذا أردنا لتلك الحياة أن تكون على هدى فقد يكون المبدأ – مثلا- أنه إذا اصطدمت رغبة ما عند فرد معين برأي عام يخالفها ، وجب التعامل بالرأي العام على حساب الرغبة الفردية ، فمبدأ كهذا من شأنه أن ينظم علاقات التعامل بين الناس في مجتمع واحد ، تماما كما توضع القواعد لمرور السيارات في الطريق العام ، كان يقال – مثلا- للقادم من اليمين ألوية المرور . منعا لتصادم السيارات القادمة من جهات متعارضة .

لكننا نلقي السؤال نفسه الذي القيناه في مجال التفكير العلمي ، ونقول ماذا لو وجد الناس بين ايديهم مبدأ سلوكيا لم يعد يصلح لظروف الحياة في عصرنا ؟ الجواب هنا هو نفسه الجواب هناك ، وهو : أننا عندئذ نستبدل به مبدأ أخر يكون أكثر صلاحية : فافرض ان من مبادئنا إكرام الضيف ، أنه إذا لم يكن الطعام المتاح كافيا لأهل الدار وللضيف معا ، وجب تقديمه للضيف ، وعلى أهل الدار أن يبيتوا على الطوى . فهذا مبدأ كانت له ضرورة حياة مضت ، ولم تعد ظروف حياتنا الراهنة تستلزمه ، بل تعد ظروف حياتنا الراهنة تستلزمه ، بل ربما لو ظل قائما أنتج الضرر ، فلا ضير علينا إذا نحن أحللنا محله مبدأ أخر .

نعم لابد لتنظيم الحياة من “مبادئ ” لكن لابد لتطوير الحياة من تغيير المبدأ المعوق للسير لنقيم مكانه مبدأ أصلح ، فلا فرق من حيث المهمة التي تؤديها المبادئ في حياتنا . بين موقفنا منها في مجال العلوم وموقفنا منها في مجال الحياة العملية ، ففي كلتا الحالتين هي ضرورية للبدء ولتنظيم السير ، وفي كلتا الحالتين أيضا ، يجب تغييرها كلما رأيناها أضيق من ان تساير حركة الحياة ، واليوم الذي يجعل الناس فيه تلك المبادئ قداسة يحرم تغييرها ، وهو نفسه اليوم الذي يقضون فيه على أنفسهم بالجمود فالفناء .  

 

 

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد