القبيلة والدولة الحديثة: محاولة لفك الارتباط

 

 


صهيب عبد الرحمن :



مدخل:

يعود عدم النجاح في إنشاء الدولة الحديثة في جزء منه إلى التأثير السياسي والثقافي للقبيلة وانخراطها في العمل السياسي كـ “قبيلة” في ظل الدولة الحديثة، ولكي يترسخ ويتجذر مفهوم الدولة الحديثة في مجتمع ما، فهو بحاجة إلى أن تحتضن ثقافياً وأن تؤسس وجودها على البُنى الثلاث: الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؛ ولو تأثرت هذه البُنى بالوجود القبلي يعكس بالضرورة تأثيرها بفشل العميلة السياسية.

وفي عالم ما بعد الحداثة وتأثير الثورة التقنية، فإن الهويات والانتماءات الفرعية والتقليدية تشهد إعادو إطلاق،  ولكن الدولة الإفريقية اليوم وإن اتخذت لبَوسا حزبياً، فإن المحددادت الإثنية والعرقية والقبيلة ما زالت تخترق تركيبة المجتمعات الإفريقية المعاصرة كما يؤكد الجابري في كتابه “سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي” إذ يقول:”لم تؤد تصفية الاستعمار ولا انتشار التنظيمات الحديثة الى نزع فتائل الصراع بين المجموعات الإثنية المنتمية إلى الفضاء الخغرافي والحضاري ذاته، فالتعددية الأفريقية تصل الى حد الجزيئة والفيسفائية الاجتماعية” ويمثّل الصومال نموذجاً يجسّد القدرة التدميرية للقبيلة، ولا سيما في تعقّد الوضع وعدم القدرة على التواصل لحل للأزمة، إضافة لمنح المجال للتّدخل الأجنبي.[1]

تحاول هذه المقالة الوقوف على سلبية الاستخدام السياسي للقبيلة، وتُعنَى بفحص تصادم فكرة القبيلة مع فكرة الدولة الجديثة، وتسلّم هذه الدراسة بأنّ القبيلة، كمكوّن اجتماعي، لا يجب دخولها في العمل السياسي، فاذا كان ثمة إيجابيات في القبيلة فلا بد من أن تُصرف في بعدها الاجتماعي؛ أما العملية السياسية فلا بد أن يتم تجريدها من البعد القبلي ولا بد من عملية تفتيت لكيان القبيلة سياسياً، وكما يقول عزمي بشارة هذا النمط من السلوك السياسي لا يؤسس لحدود الأمة والمواطنة وبالتالي يختلق حلبة اخرى مختلفة تماما عن الحلبة التي يمكن أن تطور فيها دولة حديثة.

حول المفهومين:

ان مجمل التعريفات الحديثة للقبيلة تتمحور حول كونها تجمعاً واسعاً يربتط الأفراد فيه بعلاقات قربي تبعاً لتجدرهم من نسب مشترك وعادة ما تكون لهم اللهجة موحدة ويشتركون في العيش في منطقة واحدة، والقبيلة ليست بالضرورة مرتبطة بالبادية وحدها بل إنها موجودة في المدينة أيضاً مع احتفاظها بقوة روابطها المعنوية ولديها حضور اجتماعي وسياسي رسمي في الدولة، ويرى خلدون النقيب أن ما يجعل القبيلة مقبولة ومرغوبة فيها هو أنها “بسيطة بدائية وعميقة منغرسة في أعمق أعماق الوجدان الإنساني انغراساً لا يمكن معه اختزالها أو تفكيكها إلى علاقات أبسط”[2]

ويفرّق د.عبدالله الغذامي في أطروحته “القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة” بين القبيلة والقبائلية، ويرى أن مصطلح القبائلية هو مصطلح غير محايد وهو مفهوم انحيازي وعرقي يقوم على الإقصاء والتمييز، بيمنما القبيلة تعبر مصطلحا محايداً بكونها قيمة اجتماعية وثقافية نشأت لضرورة معايشية وبيئية.[3] وهذا المقال سيركز على نقطة القبيلة والدولة ولن يتطرق إلى القبائلية التي هي العنصرية.

أما الدولة المدنية الحديثة فيكثر الجدل  في تعريفها فالبعض يعتبر أن “الدولة المدنية الحديثة” تقابل “الدولة البولسية العسكرية”، والبعض الآخر يجادل أن هذا المصطلح أوروبي ظهر بمثابة ردّ فعل على “الدولة الكنسيّة”، وقد جاء نتيجة تطورات غربية في القرون الوسطى في مجال الاجتماع والاقتصاد والسياسة، والحقيقة أنها تجمع التعريفين أي هي التي يكون رجال الجيش ورجال الدين قائمين عليها، ومن التعريفات المفيدة لها أنها “دولة المواطنة وسيادة القانون التي تعطى فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة فلا يكون فيها التمييز بين المواطنيين بسبب الدين أو اللغة أو اللون أو العرق، وهي كذالك تتضمن كفالة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية واحترام التعددية، والتداول السلمي للسطلة، وتستمد السلطة شرعيتها من اختيار الشعب وتخضع للمحاسبة من قبل الشعب أو نوابه”.

ومجال الحديث عن القبيلة والدولة الحديثة واسع لكن ما يهمني هنا هو الوقوف على بعض الخصائص المتعلقة ببنية القبيلة وبينة الدولة الحديثة وعن خطر تغول الأولى ككيان إجتماعي على العمل السياسي وعن كونها عائقا أمام بروز ديمقراطية حقيقية.

وفيما يلى بعض المصادمات بين القبيلة والدولة الحديثة:

أولا: مفهوم العصبية في وجه مفهوم المواطنة

تعتبر العصبية فكرة مركزية في القبيلة وهي ناجمة عن الالتحام بين الأفراد عبر النسب والقرابة وتتجسد هذه الفكرة في قيم المناصرة والمغالبة والتضامن ويعرف الجابري العصبية بأنها “رابطة إجتماعية سيكولوجية شعورية ولا شعورية معاً تربط أفراد جماعة ما قائمة على القرابة ربطاً مستمراً يبرز ويشتد عندما يكون هناك خطر يهدد أؤلئك الأفراد كأفراد وجماعة”[4] ويذهب الجابري الى ان المصلجة المشتركة والدائمة للجماعة هي الأساس الفعلي للعصبية ويرى ومعه ابن خلدون انها تذهب الى أبعد من النبسب ولا تكون محدودة بالرابطة الدموية وحدها بل إن التكتلات في المؤسسات الحديثة تتمثل صورة للعصبية.

ومفهوم العصبية التقليدي لدى القبيلة لا يعرف التجزئة ولا النسبية، ويذهب الدكتور الأحمري عند إشارته لهذه النقطة الى القول بأن مقياس القبول للشخص في مجتمع القبيلة هو القرابة أو العبودية للسيد. وأي ملمح من ملامح النّجابة عدا هذين المحورين محكوم عليها بالسخط والتّجاهل بغضّ النّظر عن المصلحة العامة لصالح القبيلة وطموح الفرد المتفضل”[5]  أما الدولة الحديثة فالحقوق والواجبات تبنى على أساس المواطنة ولا يكون فيها التمييز بين المواطنيين بسبب الدين أو اللغة أو اللون أو العرق.

ثانيا: أعراف القبائل ضد سيادة قوانين الدولة:

إن القيادة في القبيلة متوارثة ولها ترتيب هرمي يكون الشيخ في قمته وهذا يسبب تصادماً مع الدولة في البعد الفكري التقليدي المتمثل في ثقافة القبيلة وبوادر الفكر المدني في الدولة الحديثة، وتنظر القبيلة الى مؤسسات الدولة كالحكومة والقضاء وجهاز التشريع على أنّها تهديد لسيادة القبيلة ومنافس لها، يقول الوردي “البدو من أكثر الناس حباً بالرئاسة والإمرة وأكثرهم نقرة من الطاعة والإنصياع فالإمرة في نظر البدوي علامة الغلبة والطاعة علامة المغلوبية وهذا الذي جعل القبيلة البدوية تميل الى الانقسام عندما تتضخم في عدد أفرادها فوق حد معين حيث يظهر التنافس والخطام بين رؤساء أفخاذهم وقد ينشب القتال بينهم”.

وتعد القبيلة عائقاً أمام تحول مؤسسات الدولة إلى مؤسسات مدنية، كمثل ترسيخ دولة القانون ، إذ تسوى أغلب الخلافات خارج نطاق القضاء والقواعد القانونية، وتعرقل بشكل سافر القوانين الدستورية والأحكام القضائية بالأعراف بين القبائل. ويعبر ذالك الدكتور الدوري بالقول “لذالك لا يفهم البدوي الخضوع لسلطة بشرية خارج قبيلته، ولذالك لا يدرك فكرة الدولة” [6] ، كما رأى الدكتور الأحمري عدم إنسجام القبيلة مع دولة القانون بالقول “والقبيلة لها قوانينها وأنظمتها الشفهية غير المكتوبة فلا تتنسجم مع دولة لها قوانين ولا تحب القانون المكتوب لأنه يخرج القبيلة من قانونها”[7] ويضيف الأحمري “ثم ان القانون لو وجد في –أو تحت- نفوذ القبيلة فسوف يسخر لخدمة ثقافة القبيلة لا ثقافة الدولة”[8] وهكذا تعيق القبيلة عائق بروز ديمقراطية حقيقية فهي تقوم على تراتبية صارمة، والولاء للقبيلة وشيخها أكثر قدسية في الثقافة القبائلية من الولاء للالتزامات الدستورية والقانونية.


مراجع ومصادر:

– محمد عابد الجابري “سيسلوجيا القبيلة في المغرب العربي” 28 1

– خلدون حسن النقيب، “في البدء كان الصراع” ص 415.[2]

– د.عبدالله الغذامي “القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة” ص 26[3]

-محمد عابد الجابري “العصبية والدولة:معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي” ص 168.[4]

-محمد الأحمري “الديمقراطية الجذور وإشكالية التطبيق” ص 161.[5]

– عبدالعرزير الدوري “الكامل في التاريخ” ص 43[6]

-محمد الأحمري “مصدر سابق ” ص 166.[7]

-محمد الأحمري “مصدر سابق ” ص 167.[8]

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد