حقوق الانسان بين معاني التعريف ومقاصد التوظيف

تثار بين الفينة والاخرى قضايا في العالم الاسلامي ظاهرها انساني وباطنها ربما يختزن مقاصد ومآرب اخرى قد لا تُدرك مباشرة بحكم ارتباطها الوثيق بالجانب الانساني بحجة عدم احترام الاسلام للمعايير ” العالمية ”  لحقوق الانسان ، وفي ظل غياب فهم صحيح للاسلام من جانب ، وسوء تعاطي الحكومات واجهزة العدالة مع هذه المفاهيم وعجزها التام عن صياغة معايير لموضوع حقوق الانسان تنسجم مع تعاليم الدين وعادات وتقاليد وثقافات شعوبها تقدمها للعالم الاخر كانموذج لحقوق الانسان ؛ يصبح الشارع الاسلامي يموج في حالة من عدم الاستقرار والغليان الشعبي عادة ما تكون الجماهير ضحيتها الاولى وكأنها قطيع من الغنم تتجاذبها السلطة ومعارضيها كل حسب مصالحه الخاصة ، فتستغل هذه القضايا احيانا من قبل افراد ومنظمات المجتمع المدني للضغط على الحكومات او لتحقيق امتيازات معينة ؛ ناهيك عن استغلالها من قبل الغرب نظرا لسيطرته على المؤسسات الدولية والتحكم الكبير في قراراتها ، كأسلحة يستعملها كلما اراد تأديب المارقين عن الصف.
صحيح اننا ننشد جميعا مبادئ الحرية والعدالة وحقوق الانسان وغيرها من المبادئ الانسانية التي تصون الكرامة وتحفظ لها حقوقها ، ولكن علينا ان لا نخلط في معالجتنا لمثل هذه القضايا بين ضرورة التمسك بتعاليم ديننا الحنيف ومقومات الثقافة الوطنية من جهة واهمية ارضاء دول ومنظمات من خلال التظاهر باننا نطبق المعايير ” العالمية ” لحقوق الانسان من جهة اخرى.
من ضمن هذه القضايا قضية الشابة محجوبة التي اثارت زوبعة شغلت الرأي العام الوطني الصحراوي والصحافة والمجتمع المدني الاسباني واظهرت حقيقة ضعفنا سواء على المستوى الشعبي او على المستوى الرسمي لفهم تعاليم الدين من ناحية وقوانين لعبة حقوق الانسان من ناحية اخرى في معالجة مثل هذا النوع من القضايا ؛ فعلى المستوى الرسمي هناك تخبط واضح وعدم وضوح الرؤية في معالجة المشكل منذ البداية ، فلم يصدر بيان رسمي – حسب علمي – حول القضية منذ بدايتها وحتى اكتمال فصلها الاخير سوى تصريحين لممثل جبهة البوليساريو في اسبانيا احداهما في بداية القضية وقد ظهر فيه الرجل بموقف القوي الحازم وغير المكترث بما قد ينجر عن القضية من انعكاسات ، والتصريح الثاني جاء بعد لقائه بوزير الخارجية الاسبانية ، ورغم ما تحتمه احيانا الدبلوماسية من سلوك ، الا ان التناقض كان واضحا بين التصريحين ، حيث اظهر هذه المرة نوع من الوداعة ولين الجانب والاستعداد لايجاد حل للقضية في اسرع وقت ممكن، ربما يكون هو القشة التي قصمت ظهر البعير!!!.
الغريب في هذه القضية ان فعاليات المجتمع المدني الصحراوي لم تحرك ساكنا وظلت بعيدة كل البعد عن القضية خصوصا اللجنة الوطنية الصحراوية لحقوق الانسان التي يبدو انها غير معنية بالامر نظرا لعدم معرفتها بمهامها واختصاصاتها كما ذهبت الى ذلك هيومان رايتس واتش في تقريرها الاخير ” خارج الردار “.
اما على المستوى الشعبي فعائلة الشابة تصرفت ضد ارادة مواطنة اجنبية في السفر متى شاءت واينما ارادت بحكم قوانين الغرب ، فاصطدمت بحكم القانون وابسط قواعد حقوق الانسان ووجدت نفسها بين مطرقة الضغط الخارجي اي كان مصدره وسندان عدم ترك ابنتها تضيع بين يدها في عالم مفتوح على كل الملذات.
من الناحية الشرعية الاسلام يخاف على المرأة ويحد من سفرها دون محرم لانها عرضة لحوادث ومصاعب السفر الكثيرة وغير المنتظرة احيانا ، وحسب قول بعض الفقهاء انه متى زالت تلك المخاوف وتم الوثوق بانها لن تتعرض في سفرها الى ما لا يليق بالمرأة المسلمة يجوز لها السفر دون محرم ، ولا يفرق الشرع في ذلك بين سفر المرأة الى ما وراء البحار او دونها ، لان الامر عنده واحد وهو الخوف على المرأة مما قد تتعرض له من سوء سواء على يد قيس او روميو.
من وجهــة نظري المتواضعة كان الاحـرى بكل الاطـراف عدم تغييب الطـرف الرئيسـي في القضيـة ( محجوبة ) في اي معالجة للمشكل ، لانها هي من يقرر البقاء في حضن عائلتها البيلوجية او في حضن عائلتها الاجنبية ما دامت قد كبرت وترعرعت وحازت على اسباب الضغط الكافية لجعلها رقم صعب في لعبة شد الحبل بين تعاليم الدين وحقوق الانسان.
ليس من باب الحكمة ابدا اللجوء الى اعمال مضادة كتظاهرات الشجب والاستنكار لاحداث يوم الثلاثاء ، من الافضل ترك الموضوع في اطاره ومعالجته وفق القانون ، اعتقد ان ذلك هو افضل خيار لجميع الاطراف.

نصائح للقائمين على تدبير الشأن العام فيما هو قادم:
1    تكثيف جهود التوعية والتحسيس على مستوى القواعد الشعبية باهمية التقيد بالقانون كحاجة ماسة لقيام الجماعة وعدم المساس بالنظام العام وحرمة المؤسسات الوطنية. وتوعية الاجهزة الامنية واجهزة حفظ النظام العام باحترام المعايير المهنية في ممارستهم لمهامهم وواجباتهم ، لانهم في النهاية يطبقون القانون ويفرضون العدالة ويفترض فيهم انهم اخيار الناس وفق التعريف اللغوي لمن تشملهم هذه المهنة.
2    التحول تدريجيا وبصورة حقيقية وبوتيرة اسرع من النظام القبلي الذي كرس ولاءات قبلية على حساب الولاء للوطن الى نظام المؤسسات وسيادة القانون ، والابتعاد عن اي نوع من الممارسات القبلية باسم الحركة او الدولة  والتطبيق الصارم للعدالة.
3    النصيحة الثالثة اكررها دائما في كل مقال اكتبه ؛ وهي باننا لم نكن اول شعب استعمر الارض ولسنا باول كيان سياسي يقام عليها ولسنا باول مجتمع على هذه البسيطة ، وبالتالي فان تجارب الامم والشعوب التي يزيد عمرها على الاف السنين ماثلة امامنا  بقديمها وحديثها ولسنا بحاجة الى اجراء تجارب جديدة على نمط العيش سبق للعالم من حولنا ان جربها واثبت صحتها من عدمها ، اقول تجارب على نمط العيش للاسف وليست تجارب علمية للوصول الى حل مشكل ما. لا اقول ذلك من اجل قتل روح الابداع وانما لغرض ان نبني على تجارب الاخرين اختصارا للوقت والجهد والوصول الى نتيجة مفيدة.
العالم من حولنا تقدم ليس بفعل التفاخر بين الانساب ولا بفضل فلان او علام وانما بالعدالة وحكم القانون ، فالدولة كيان اقتضته الجماعة البشرية والقانون من لاوازم قيام الجماعة ، على الصحراويين ان يدركوا تلك الحقيقة وان نضالهم والماساة التي يتحملونها يوميا وضريبة الدم التي دفعوها ويدفعونها وسيدفعونها ليس من اجل العودة الى عصر الجاهلية والظلمات وانما من اجل انبلاج فجر جديد ينعم فيه كل الصحراويين بالحرية والامن والاستقرار والرقي.
4-    توعية الجماهير بمؤامرات ودسائس العدو التي يحيكها يوميا للنيل من عوامل تماسك وصمود الشعب الصحراوي ، والابتعاد عن كل ما من شأنه ان يشكل ذريعة او يفتح باب او نافذة يتسلل من خلالها الشيطان ، فقد اثبت التاريخ بان معظم – ان لم اقل كل – تعثراتنا في طريق بناء كيان عصري ككل المجتمعات كانت بفعل انفسنا وليست بسبب عدو خارجي.
5-    معالجة قضايا الاطفال المقيمين لدى عائلات اجنبية منذ البداية وفق قواعد قانونية صارمة مع عائلاتهم الاصلية تحدد المسؤوليات بدقة حيال ما قد ينجر عن هذه الحالات من انعاكاسات ، وعدم ترك الامور الى حين استفحال المشكل ( الوقاية خير من العلاج ).
جعلني الله واياكم ممن يستمعون القول فيتبعون احسنه


بلقم : سمير الصحراوي

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد