الداخلة .نعيش فيها..أم تعيش فينا

بقلم : محمد سالم الزاوي

 

تمر السنين علينا مرور اللئام بين صفحات هذا الوادي المرصع بالذهب والصدأ نقلب أوراق أعمارنا المخضرة في إنتظار إصفرارها لنرحل بآمالنا ونقبر وسط تراب “النبيكة” أو تاورطة” مآسينا وجراحنا التي لم ترد لها أقدارنا أن تندمل. نعيش بين شواطئ المحيط وأمواج ثرواته الوفيرة التي تتحطم وسط أفواه شذاذ النهب والسلب ليفرغوها أصفارا داخل حساباتهم السويسرية المتخمة.

نعيش ونحن نستفيق على سمكات عشائنا وأرزاق أطفالنا الحالمين وقد جمعها أهل السبت في شباكهم وتركوا لنا على تلك الصخور بعض قشور الحوت وبقايا أرجل الأخطبوط لعل علماء الأثار من أجيالنا المستقبلية تجد ما تستدل به من بقايا الحياة في هذا البحر الفسيح. نعيش وقد إدعى الجميع أننا أثرى من قارون وأترف من سكان الخليج. نعيش ووسط عوائلنا من يعيش على ثمرات الفتات وبعض الماء القراح المفعم بروائح الكبريت الكريهة. 

نعيش وقد صادفتنا عجوز تعرفها الداخلة معرفة منارتها الساحلية وعبر تجاعيدها تقرأ تاريخ الإسبان وموريتان والمغرب لكن أملها المعيشي سرعان مع تحقق لها دما تحت زراويط تلك العصابة الجشعةنعيش وقد إنزوت بين ضواحينا أسر يتداعى سقف منزلهم مع كل مطر ينزل أو قطرات تتهاوى على رؤوسهم فنقموا رحمة الله بفعل أحكام الطبقيات التي تتغذى على حطب القبلية المشتعل. نعيش وقد تداعت علينا الجياع والظبيان تمتص دمائنا وتسكبه على رؤوسنا قذفا وشتما وفقرا وبؤسا. نعيش وقد إشتغل في أرضنا إبن الشمال وإبن الجنوب وإبن الشرق والغرب وإبن السماء في سباق عطايا أبناء العمومة و”أباك صاحبي” و “أدهن السير يسير” نعيش وقد جزئتنا العشائرية ومزقتنا الحاجة فكانت أصواتنا التمثيلية من نصيب ذاك الإقطاعي الذي يوزع الأماني على حساب فاقتنا ليفر بنصره الإنتخابي نحو فيلات الرباط والبيضاء وعالمهم “الزهواني”. نعيش وقد جلس تحت قباب البرلمان من إدعى تمثيلنا ورائحة المال تفوح من عباراته المكتوبة له سلفا ليقذفها على صانعي القرار مدحا و(ترطيبا).

نعيش داخل الداخلة  بصيدها وفلاحتها وسياحتها وقد خالنا الغريب مقعدين من شدة ملازمتنا لكراسي المقاهي. نعيش وقد أعتادت حيطان المدينة المزخرفة بعبارات “ممنوع البول” على الإستئناس بنا وبحواراتنا المفعمة بخطابات المعاناة. نعيش وقد علقت أمالنا منذ كنا أحداثا بشواهد التعليم العليا فخدنا أعاصير الإختبارات وتسلقنا سلالم المبنى التعليمي وحين توجتنا تلك المؤسسات بأوراقها المنمقة فاجئتنا أحكام الحياة بلافتات سيروا تفرشوها”. فقبلنا الحكم بعد علمنا بطول المقام وسط زنزانات البطالة ومعتقلات العطالة. نعيش وقد وضعت على أفواهنا ألاف القيود وقصت ألستنا بزراويط المردة وجلاوزة القمعنعيش والقاصي والداني بنى ثروته على أحلامنا وهندس مستقبله على أمانينا وبين ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا وضع يأبى الزحزحة وكأني به يخالنا أهله وعشائره.

نعيش وقد تلاعب بعضهم بأمننا وأستقرارنا وحين ألزمه ولاة الأمر بردة الفعل نفث سمومه على عرقنا الأسمر وصب غضبه وحقده وضغينته على رداءنا المشؤوم “بدراعته” و”ملحفته” فدفعنا أثمان ذلك ضربا وتكسيرا وأعتقالانعيش وقد أعملت فينا الجهات عنصريتها وطردتنا طرد الفصيل الأجرب بينما ترفض جهتنا إلا أن تقابل الإساءة بالإحسان.
نعيش في الداخلة وترفض الداخلة عيشنا ما لم نستنطقها “بالدارجة” أو بالأمازيغية” أو بأي لسان لا يكشف أصولك أو صلة وصلك بهذا الحيز المكاني من العالم. نعيش وقد توفرت لغيرنا سبل العلم وطرق التعلم ومهدت لهم الأقدار معاهد النجاح ومدارس التفوق في حين لم تعلمنا الداخلة غير ما جادت به مؤسسات الحقب الكلاسيكية مع وابل من محفزات الهدر المدرسي ومشجعات التنفير العلمي. نعيش في الداخلة وقد تبنى غيرنا أساليب المدنية وتعاليم الوطنية ومؤشرات الديمقراطية ووصايا الحداثة بينما لازلنا هنا تجحظ عيوننا لكل غريب ونعادي كل من يخالف رواسبنا ومعتقداتنا ونصفق لواقعنا القبلي مع الحرص على تمحيصه وتوريثه لأجيالنا ضمن وصايا لقمان في الموروث العشائري لمجتمعنا المتخلف. نعيش والجهل قد إستحكم منا وأولج مخالبه ضمن قوائمنا وأنشب أنيابه داخل بلعومنا فترى أطيافه وأنعكاس صوره الحقيقية مع كل إقتراع أو تقسيم للعطايا وتوزيع لأرزاق الرعايا
نعيش ومن يقودنا غريب ومن يتحكم في خزائن جهتنا غريب ومن يوجه بوصلة أمننا وأمانينا وأحلامنا وحياتنا وواقعنا, متطفل مستقطب ضمن رحلات شراع الشمالنعيش وقد تولتنا فلتات الدهر ولم يقنا الله شرورها فقرأناها في صفحات شوارعنا المنكوبة بتبليطاتها وأرصفتها المغشوشة وبنيتنا التحتية المصوملة بفعل الميزانيات المنهوبة داخل بطون الحرام. نعيش وقد قدمت المحاصصة القبلية جماعات ترابية لذوي السوابق الجهلية والتهم الأمية وجعلتها مزارع شخصية لهم يورثها الأكبر للأصغر والوالد للولد. نعيش وقد تكدست بين ظهرانينا جحافل المعنسات وتزايدت معسكرات الزناة وزهد الجميع في معدلات الخصوبة حتى أصبحنا على شفا جرف الإنقراض
نعيش ومستقبلنا مجهول نزفه قبل الآوان في زوارق الموت المتجهة لأوروبا أو نرسمه في بقعة أو “كارطية” ننتزعها بعد تقديم أجسادنا لوحات لفن الطرز بالزرواطة الأمنية. نعيش وكل واحد منا تلاحقه تهم التشكيك وأصابع التخوين ويتم قصفنا في كل وقت وحين براجمات الوطنية وبوارج الإنفصالية حتى عد كل فرد منا شخصا منكوبا. نعيش والسياسة رضاع صغارنا وطعام شبابنا وسبحة كهولنا تعرفنا ونعرفها غصبا عنا وعنها أكثر من ملامحنا المشبوهة. نعيش والموت البطيء المبعوث في أكفان الفراغ يقطع أحلامنا إربا إربا ويزيد قتامة حياتنا ظلما وظلاما. نعيش والداخلة ترفسنا في اليوم مئات المرات وتصفعنا بأكف الرفض والخذلان ونأبى إدراك أننا ما عدنا نعيش بالداخلة ولكنها تعيش فينا.



تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد