“بنية اللهجة الحسانية”

بقلم: الدكتور السالك بوغريون ـ أستاذ باحث في الثقافة الحسانية ـ العيون

 

 

في المقال السابق قاربنا اللهجة الحسانية من منظور سوسيوتاريخي وسنحاول في هذه الدراسة مقاربة بنيتها الداخلية من خلال التركيز على الجانبين المعجمي والتركيبي، وندرجهما في النقاط الآتية:

– أكثر اللهجة الحسانية عربي فصيح ظاهر وقليلها محرَّف[1]، حيث تحتوي من الناحية المعجمية على نسبة ℅75 من الكلمات العربية[2]، ويرى البعض على سبيل التقدير بأن ثلث معجمها مكون من الكلمات الأمازيغية (تاشلحيت) نظرا للصلات الوثيقة والاحتكاكات الاجتماعية بين قبائل سوس والصحراء[3].

– تكثر فيها ظاهرة تسكين المتحركات ويطَّرد ذلك في الحروف الأخيرة من الكلمات وفي الحرف الذي يلي أداة التعريف.

– يُستبدل الضاد بالظاء في كثير من الكلمات بدعوى أن ذلك أفصح في الحسانية (أبيض/ أبيظ، الضوء/ الظوْ، أخضر/ أخظر، الفضة/ الفظة )، ومن باب الفصاحة أيضا قلب الغين قافاً أو العكس فنجدهم يقولون: القيبَ بدل الغيبة، ويَقَيْرْ بدل يَغَير بمعنى لكن، ومَغْرَج بدل مَقرج بمعنى الإبريق الكبير.

– الحروف التي تنطق فيها هي التي يتم الحفاظ عليها أثناء الكتابة، وما لم ينطق يهمل ويقصى ويعوض بحركة دالة عليه توضع على المتحرك الذي قبله: فمثلا التاء المربوطة تحذف من أواخر الكلمات وتعوض بفتحة كما في: الصحَّ أي الصحة، و مَشْيَ أي مشية، والشيء نفسه ينطبق على حروف المد كالواو الذي يعوض بضمة (اتْعالُ أي تعالوا)، والألف الذي يعوض بفتحة (اتْعالََ أي تعالى) والياء التي تعوض بكسرة (اتْعالِ أي تعالي)، وتحذف الهاء المضافة من آخر الكلمة عندما ترتبط بالمفرد المذكر وتعوض بضمة كما في: أيدُ أي يده، راسُ أي رأسه، وجملُ أي جمله.

– بعض الكلمات التي توجد فيها همزة في الوسط يتم إقصاؤها استثقالا وتعوض بحرف من حروف العلة مثل: جَيْتْ أي جئت، ورَيت أي رأيت، وكاس أي كأس ومومن أي مؤمن.

– ينطق حرف القاف في أغلب كلماتها – وليس في كلها- بنطق الجيم المصرية ويكفي استبدال هذا الأخير للحصول على البنية الفصيحة للكلمة (القلب / الڭلب، الناقة/الناڭة، يرقص/يرڭص، السارق/السارڭـ، قام/ڭام، يقطع/يڭطع).

– تسكين عين اسم الفاعل: راجْعْ أي راجِعٌ، لابْسْ أي لابِسٌ

– بعض الكلمات فيها تدل على صيغة اسم الفاعل وصيغة اسم المفعول في الآن ذاته، ولا تختلف سوى حركة الحرف الأول حيث تسكن في اسم الفاعل وتضم في اسم المفعول:  مْڭَسَّم/ مُڭَسَّم = مُقَسَّم/ مُقَسِّم، مْعَلڭـ/مُعَلڭـ = معلِّق/ معلَّق.

– اَلِّ: يختصر جميع الأسماء الموصولة، فهو يعني الذي والتي والذيْنِ واللتين والذين واللائي…  (الَكتاب الِّ احذاك أي الكتاب الذي بقربك، والمجلة الِّ اشريت أي المجلة التي اشتريت، ) فاللهجة الحسانية لا تتعدد فيها الأسماء الموصولة.

– تأتي أسماء الألوان على وزن “أَفْعَلْ” في المذكر شأنها في ذلك شأن اللغة العربية، لكنها تختلف عنها في المؤنث حيث يحذف الألف والهمزة ويعوضان بفتحة نائبة، (أصفر/ صفرَ، أزرق/زرقَ، أحمر/ حمرَ).

– الأفعال في الحسانية لا تثنى وإنما ترد في صيغة المفرد أو صيغة الجمع، وإذا ورد الفعل مثنى فإنه ينطق بصيغة الجمع (فمثلا فعل أشْرَبْ أي شرب مثناه هو شَرْبُ وكذلك جمعه )، أما الأسماء فإنها تثنى (دار/ دارين، انهار / انهارين).

– يكثر فيها التصغير بصفة مطردة فنجد الأسماء تصغر (عالي/ اعويلي، الطفل/ اطفيل)، والمصادر (امْشَيَّ/ تصغير مشية، اَقْدَيْر/ تصغير قدر أي كمية)، وحتى الأفعال  ( يَكَيْذَب/ يكذب، يَلَيْعَب/ يلعب)، والأعداد  (اثْلَيَاثَ/ تصغير ثلاثة، اثْنَيَّينْ/ تصغير اثنين)…

– تميل إلى الاختصار ولو على حساب حرف أصلي في الكلمة، فيقال: (فلان ولْ أفلان بدل فلان ولد أفلان أي فلان ابن فلان، هذا بَلْ كذا عوض هذا بلد كذا، مَاتَيتْ عوض مَاتْليتْ أي لم أعد).

– تصاغ الضمائر فيها على الشكل التالي:

* المتكلم : (المفرد: آنَ/أنا، الجمع: – المذكر: احْنَ/ نحن، – المؤنث: اَحْنَاتِ).

*  المخاطب: (المفرد:أنت، الجمع:  انْتُومَ/ أنتم).

*  المخاطبة: (المفرد:أنتِ، الجمع: انْتُمَاتِ/ أنتنَّ).

*  الغائب: (المفرد:هو، الجمع:  هُومَ/ هم).

*  الغائبة: (المفرد:هي، الجمع: هُمَاتِ/ هنَّ).

– توجد فيها ظاهرة الساكن المشدد مثل: (اَرْعَد) فالراء مشددة وعندما نفككها تعطينا ارْرْعَد أي الرعد، والشيء نفسه بالنسبة للدال في مَدْ  إذا فككناه سيعطينا مَدْدْ أي مُد.

– تصاغ أسماء الإشارة على الشكل التالي:

*  المذكر (القريب: هذَ/ هذا، هَذُ/ هؤلاء – البعيد: ذاكْ/ذلك، ذُوك/ أولئك).

*  المؤنث (القريب: هَذِ/ هذه، هذوك/هؤلاء، – البعيد: ذيكْ/ تلك، ذوك/ أولئك).

– تكثر فيها الاستعارة والكناية وكذلك المجاز والتشبيه والمحسنات البديعية.

– تميل أكثر إلى توظيف صيغ جمع التكسير وجمع الكثرة مكان جمع المذكر السالم.

– تختلف عن العربية – عموما- كما يرى المختار بن حامد في تسكين فاء الفعل وتاء المتكلم والمخاطب في الإفراد والتذكير، وبضم التاء وحذفها في فعل المخاطبين مطلقا، وبمد عين الفعل المعتل اللام ، و تسكين واو الجمع في فعل الغائبين المعتل اللام، وحذف الواو في فعل الغائبين الصحيح اللام.[4]

هذه بعض الخصائص المعجمية والتركيبية المتصلة باللهجة الحسانية، وقد أشرنا في هذا المقال إلى أهمها وأكثرها بروزا على أن المجال للحديث عنها – في هذين الجانبين أو في غيرهما من الجوانب الأخرى- لايزال بكرا يحتاج إلى كثير من التوسع والتعمق.



[1] المختار بن حامد، حياة موريتانيا: الجزء الثاني الحياة الثقافية، الدار العربية للكتاب، ب.ت.ط، ص: 142.

[2] انظـر رشيد الحسين، الأعلام الجغرافية والهوية الأعلام الأمازيغية بالصحراء وموريتانيا،  منشورات جمعية أوس، دار المناهل، الرباط، ط1، 2008، ص: 62.

[3] المرجع، نفسه، ص: 63.

[4] المختار بن حامد، حياة موريتانيا، الجزء الثالث، الحياة الثقافية، ص: 143.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد