ذكرى عاشوراء وارتباطها بالموروث الثقافي الشعبي المغربي

 

بقلم : كولال محمد ـ طانطان

 

ارتبطت ذكرى عاشوراء بعدة أحداث حصلت في العاشر من شهر محرم ، مثل أن الكعبة كانت تكسى قبل الإسلام في يوم عاشوراء ، ثم صارت تكسى يوم النحر ، وهو اليوم الدي ثاب فيه الله على آدم ، وهو اليوم الذي نجى فيه الله سيدنا نوحا وأنزله من السفينة ، وفيه أنقد الله نبيه إبراهيم من نمرود حين هم بحرقه ، وفيه رد الله يوسف إلى يعقوب ، وهو اليوم الدي أغرق فيه الله فرعون وجنوده ونجى فيه سيدنا موسى وبني إسرائيل ، وفيه غفر الله لنبيه داوود ، وفيه وهب سليمان ملكه ، وفيه أخرج نبيه يونس من بطن الحوت ، وفيه رفع الله عن نبيه أيوب البلاء ، وحول كل هده الأحداث كلها إختلف العلماء ، لكنهم إتفقوا لا محالة حول أن هدا اليوم ، هو اليوم الدي قتل فيه حفيد النبي وثالث أئمة أهل البيت ، الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب في كربلاء ظلما ، وهو ما يتناسب وينسجم مع شعائر دكرى عاشوراء أو بالأحرى فاجعة كربلاء ، والتي أجمع المؤرخون على أنها من أشد الفجائع أثرا في النفوس ، وأقسى المدابح وقعا على القلوب ، نظرا للمجزرة الرهيبة التي وقعت على ساحة الطف في كربلاء بالعراق ، يوم العاشر من محرم سنة 61 هجرية / الموافق لسنة 85 ميلادية ، حيث حوصر الحسين بن علي مع آله وصحبه وفتية من بني هاشم ، واستشهدوا جميعا من قبل الجيش الأموي بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص ، وبأمر من عبيد الله بن زياد عامل الخليفة يزيد بن معاوية على الكوفة .

ولهدا فكلما بدت طلعة العام الهجري ، تدكر المسلمون ببالغ الأسى وعظيم التأثر مدبحة آل الرسول وأهل البيت ، وما أمعنه فيهم الجيش الأموي من قتل وتنكيل وتمثيل ، وتدكروا كيف دكت حوافر خيول جيش يزيد بن معاوية ، جناجن صدور وظهور رهط النبي بشكل لم يشهد التاريخ نظيرا لفضاعته وبشاعته ، وكيف ساروا برؤوس القتلى على الرماح مع نساء الرسول سبايا ، إلى الكوفة فالشام ثم إلى مدينة جدهم يثرب ، عاريات في أحزن منظر وأسوأ حال ، كل هدا والدين الحنيف في أول عهده ، والإسلام في ربيع تاريخه ، ولكي نلم  أكثر بالحدث والموضوع سنحاول رصد بعض مشاهد هدا الحدث المأساوي ، وبالتالي ربطها بالشعائر والطقوس التي يتداولها المغاربة على وجه الخصوص ، في كل مرة يستحضرون فيها ذكرى عاشوراء .

فكما هو معلوم أن الحسين بن علي ، لبى دعوة أهل العراق له بطلب وإلحاح منهم ، فسار إليهم رغم الآراء التي نصحته بعدم تلبية الدعوة ، فكانت النتيجة أن حاصرته جيوش يزيد بن معاوية ، التابعة لعامله على الكوفة عبيد الله بن زياد ، بمكان يدعى الطف لأن المياه تطفوا عليه بحكم قربه من النهر عند الفيضان في أرض كربلاء ، حيث حالوا بينهم وبين ماء النهر إلى درجة أنهم منعوه حتى على الرضع والمرضى والعجزة ، وهو ما شكل سلاحا قويا ضد آل البيت ، ومن هنا يمكننا أن نفسر تراشق المغاربة بالماء في هدا اليوم بالدات ، فهو من باب التعبير على نوع من التضامن المعنوي مع المجاهدين العطاشى ، كطقس من طقوس النهار والتي كانت تقام كدلك لدى البعض الآخر ، بشراء قلل وجرار طينية من السوق وملؤها بالماء ثم التصدق بها بعد دلك على الأطفال ، ونظرا لكون الحسين بن علي لم تكن له أبدا أي نية في الحرب ، فقد قصد العراق مع قلة من أقربائه وأصحابه ، وهو ما إستغله عبيد الله بن زياد ليجهز على كل الرجال واحدا واحدا ، وبعد قتلهم للحسين قطعوا رأسه وداسوا على جثته بالخيول بدم بارد ،وتم اقتياد النساء كالسبايا وراء الجنود الدين يحملون على سنان رماحهم ، رؤوس الشهداء يتقدمهم رأس الحسين بن علي بن أبي طالب ، في منظر درامي تقشعر له الأبدان لفضاعته وشدوده ، ومن هدا المنطلق يمكننا أن نفسر سبب إضرام المغاربة للنار يوم عاشوراء ، أو ما يعرف بـ “الشعالة” التي هي محاولة لتجسيد المعركة واستحضار أجوائها ، عن طريق تأجيج النار والقفز فوقها كدلالة رمزية عن الحرب بالنسبة للفتية ، أما الفتيات فهن يسلكن منهجا إحتفاليا مختلفا جدا عن السابق ، لكنه أكثر تعبيرا عن الحدث ، بحيث أنهن يستحضرن عظمة محفوظة من عظام خروف العيد بالضرورة ، ويقـمن بإلباسها بعض الأثواب ويزيننها بالحناء ، ويسمونها ” بابا عاشور ” ويتجولن به في الحي على كل البيوت ، حيت يتسلمن مقابل الزيارة ما يعرف بـ “البياض” ، وهو عبارة عن هدية نقدية ، وبعد دلك يتوجهن بـه إلى المقبرة حيث يوارى التراب بمساعدة من الفتية ، بالزغاريد والغناء إحتفالا بانتصار الفضيلة على الرديلة ، ولعل نزوع المغاربة إلى إقتناء الفواكه الجافة في هده المناسبة ، لدليل ساطع على حرص المغاربة على إضفاء طابع الحزن على هده المناسبة بالإمتناع عن الطبخ ،والإكتفاء بالفواكه الجافة كغداء للمسافر والمحارب غير المستقـر  .

إلا أن مجمل ما يمكن قوله في هدا المجال هو أن مناسبة عاشوراء ،  تتميز في الفولكلور المغربي باحتفالاتها الكرنفالية التي تجسد رمزية الثنائية القائمة على الموت ( النار ) و الإنبعاث ( الماء ) ، وعلى الرغم من أن طقوس وشعائر مغاربة اليوم قد فقدت دلالتها الرمزية ، وتحولت إلى مجرد تقليدات ومحاكاة فارغة وجوفاء بدون سند ولا هوية ، إلا أنها تدفعنا على الأقل إلى التفكير مليا في ماضينا حتى يتسنى لنا أن نعيد التصالح من جديد مع دواتنا وتاريخنا .

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد