في ظاهرة الريع الثقافي بمدينة الطنطان

 

بقلم : يوسف الحنصالي ـ  طالب باحث

 

 

يتحدث الجميع اليوم باحثين في العلوم السياسية والاجتماعية وفاعلين سياسيين واقتصاديين ومراقبين من المجتمع المدني عن ظاهرة الريع الاقتصادي، التي أصبحت مستشرية في المجال الاقتصادي لبلاد المغرب، بل أصبحت المحرك الأساس لاقتصاديات هذا البلد، وهو واقع طالما حدثنا عنه المؤرخون والانتربولوجيون المغاربة والأجانب، وبينوا صيغ تشكله وتطوره منذ زمن بعيد، معتمدين في ذلك على مقاربات مختلفة، كل ينطلق من مرجعيات نظرية معينة تخص مجال بحثه. غير أن عموم الناس قلما ينتبهون إلى ما يقوله المؤرخون والسوسيولوجيون والانتروبولوجيون… وتقوم ظاهرة الريع الاقتصادي على مبدأ أساسي هو مراكمة بعض المحضوضين للثروات بدون وجه حق سوى خدمتهم لمصالح جهات معينة ومن دون أي مجهود يذكر، مما يجعلهم من عداد “النخبة الاقتصادية”. وليس القصد هنا الوقوف على التطور التاريخي لهذه الظاهرة أو تبيان مظاهرها المختلفة، لأن المقالات الصحفية تعج بمواضيع في هذا الشأن، ولكن القصد هنا هو التنبيه إلى كون هذا الريع لا يخص فقط المجال الاقتصادي وإنما يهم كذلك الشأن الثقافي، ويتجلى الريع الثقافي في عدة مستويات، أشير هنا إلى مستويين أساسيين، الأول يتمثل في استفادة بعض الأشخاص من جملة من الامتيازات بدعوى أنهم يحملون صفة “مثقفين”، والثاني يتمثل في الدفع بأشخاص معينين إلى خانة المثقفين بدون أن تكون لهم صلة بهذه الفئة، ولكن يراد لهم أن يدخلوا خانة النخبة الثقافية لاعتبارات أخرى.
وقد أشارت العديد من الدراسات التي اهتمت بالشأن الثقافي المغربي بمفهومها الانتروبولوجي  (عادات وتقاليد المجتمع المتحكمة في سلوكاته ) إلى بعض مستويات “الريع الثقافي” ومظاهره، بالرغم من أن أصحابها لم يستعملوا مفهوم
“الريع الثقافي”، وبينت كيف يتم صنع النخبة الثقافية بالمغرب  (هنا لا ننفي وجود مثقفين حقيقيين بارزين لم يستفيدوا من أي امتياز ريعي بل واجهوا حملات جمة لطبيعة مواقفهم )، فالعالم والمثقف والجمعية الثقافية إن لم يبدوا نوعا من الخضوع والامتثال يتعرضون للتنكيل والإقصاء، ويحرمون من الكرامات والامتيازات التي تنفقها أجهزة الدولة عليهم، فإن هم خرجوا عن خطاطة الشيخ والمريد التي رسمها الباحث المغربي عبد الله حمودي في دراسته حول السلطوية في المجتمعات العربية، فإن الامتيازات ستتوقف عنهم، وتتمثل هذه الخطاطة الثقافية كما يسميها صاحبها في كون الشيخ الذي لا تنتهك حرمته ويغدق من أمواله وكراماته على مريديه الذين بدورهم عليهم أن يتقنوا لعبة الخضوع والطاعة لشيخهم حتى يرضى عليهم وبالتالي تستمر هباته تجاههم، ويتقوا شر غضبه عليهم.
فمظاهر هذا “الريع الثقافي” إذن هي التي تتضح لنا في مدينة الطنطان، فبعدما قامت الجمعيات الثقافية بالاحتجاج أمام مقر عمالة الأقليم على خلفية قرار وزير الثقافة السيد أحمد الصبيحي القاضي بسحب تمثيلية هذه الجمعيات المتمثل في إعفاء مندوب الثقافة بالاقليم السيد حسن كزيزة، ونددوا بهذا القرار، هنا نطرح السؤال أين كانت فعاليات “المجتمع المدني” بالطنطان قبل هذا القرار؟ وهل يمكن الحديث عن جمعيات ثقافية بالمدينة؟ وهل هذا الاحتجاج يروم الدفاع عن الصالح العام للساكنة؟ فمدينة الطنطان لا تعرف أي أنشطة ثقافية باستثناء الموسم السنوي الذي يعد مناسبة لتكريس “الريع الثقافي” في المنطقة، والغريب في الأمر أن عدد الجمعيات المشاركة في هذا الاحتجاج هو 16 جمعية، والتي لولا هذا النشاط الاحتجاجي لما عرفناها، وكان من الأفضل لو عرفتنا بنفسها من خلال أنشطة ثقافية حقيقية تروم التنمية الشاملة بالمنطقة
.  ( وتجدر الإشارة إلى أن هناك جمعيات فاعلة من بين تلك الجمعيات 16 ) ثم من كان يعرف إسم السيد مندوب الثقافة بالمدينة لولا هذا الاحتجاج، والآن نعود إلى الخطاطة الثقافية لاستجلاء مظاهر “الريع الثقافي” في المدينة، فالشيخ عندما يلمس في مريديه عدم إتقان الخضوع والطاعة وعدم الامتثال لأوامره فهو يوقف نعمه عليهم، ويهددهم بالطرد من رحمته وهو ما حدث بالفعل للجمعيات الثقافية بمدينة الطنطان، فعندما أصبحت مشلولة والحقيقة أنها ولدت مشلولة لم يعد السيد الوزير يرى فائدة من إعطائها الامتيازات، وهذا لا يعني أنه سيوقف ظاهرة “الريع الثقافي” وإنما سيعيد برمجة لعب الأدوار من جديد، لان الشيخ لا يطيق نفسه بدون مريدين يمارس عليهم سلطته، وقد يعتبر البعض أن الجمعيات المهتمة بالشأن الثقافي بمدينة الطنطان قد ثارت على الوضع الثقافي المزري للمدينة وأنها ستضغط على الأجهزة المعنية من أجل بث الروح الثقافية والتنموية في المدينة، غير أن شيء من ذلك لن يقع، فصاحب الخطاطة الثقافية  (الشيخ والمريد ) بين أن المريدين يقومون هم الآخرين بردة الفعل ضد الشيخ مباشرة بعدما تنقطع عنهم الكرامات والامتيازات حتى ترجع إليهم، وقد ينزعون في بعض الأحيان إلى استعمال نسبة من العنف غير أنه ليس الأساس في عمليتهم الاحتجاجية، لان ارتباطهم يكون وثيقا بشيخهم ولا يمكن أن يصلوا نسبة ككبيرة من العنف تجهه. إذن هل مع هذا الواقع يمكن الحديث عن مجتمع مدني في مدينة الطنطان؟ ويعد المجال الثقافي فقط جانب من جوانب التدهور بالمدينة، إذ أن الخطاطة المشار إليها أعلاه تنطبق حتى على المجال السياسي ومجال السلطة أيضا، وقد تأتي الفرصة في مقال آخر للحديث عن ذلك بشكل أدق.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد