بقلم: أحمد بوعلفة
أصبحت ألعاب الحاسوب، تشكل جزءا كبيرا لا يتجزأ من حياة الأطفال والمراهقين . وتتفنن الشركات في ابتكار أحدث الألعاب والتي تباع أيضا بأسعار خيالية وبأرباح أيضا خيالية، وبغض النظر عن عواقب اللعبة المنتجة. تشير الإحصائيات الاجتماعية إلى أن اثنين من بين كل ثلاثة أطفال يملكون حاسوبا للعب وأن تلك الألعاب أصبحت تشكل خطرا على نفسية الأطفال وتطورهم حسب الساعات التي يقضونها أمام الحاسوب ، وتتحول تلك الالعاب البريئة في الظاهر الى ادمان مزمن لدى لعض الاطفال بحيث يقضون الساعات الطوال أمام الشاشة الصغيرة للحاسوب وأيديهم تدير الازرار. وأشارت بعض الدراسات الطبية إلى أن الاندماج في اللعب يزيد من التوتر العصبي ودقات القلب بل أنه قد يحدث حالات من الاغماء والشلل والصرع. وبسبب الإقبال الشديد في صورها حيث يدمج التصوير التلفزيوني مع الرسوم المتحركة في اللعبة . ويحس اللاعب في هذه الحالة وكأنه يعيش عالما خاصا بتلك اللعبة ويندمج مع رموزها وممثليها. .
لكن الشركات المنتجة في ابتكار مثل تلك اللعب حيث طرحت في المدة الأخيرة لعبة جديدة تصور ممثلات شبه عاريات يقوم اللاعب بقطع رؤوسهن وامتصاص دمائهن . ولم تحدد شروط معينة على بيع هذه اللعبة التي اصبحت في متناول الاطفال في اوروبا . وقد وصلت قضية هذه اللعبة الى البرلمان الانكليزي الذي ناقش ضرورة وضع اللوائح الخاصة بمنع بيع مثل هذه اللعب في الاسواق .
وبدأت بعض المدارس بمنع الاطفال من استعمال الحواسيب الصغيرة المتنقلة أثناء الفسح لابعادهم عن جو الادمان هذا ولتقليل التأثير النفسي الذي تحدثه في نفوسهم على مر الزمن. وهذه اللعب غالبا ما تشجع الاطفال على الدمار والتخريب والقيام بأعمال العنف من خلال الألعاب العسكرية والبوليسية بحيث لا تختلف في تأثيرها عن تأثير افلام العنف التي تعرض على شاشة التلفزيون ، والتي اشارت الدراسات العلمية السابقة الى تأثيرها المباشر والشديد على نفسيات الاطفال.
والطفل بطبيعة الحال يلعب ويحب أن يقلد ما يراه. والعاب الحاسوب كانت الى حد قريب تعتمد على الرسوم المتحركة الظريفة التي تسر الاطفال عند اللعب بها. الا أن دخول العاب عنيفة منها لعبة الفخ الليلي الذي طرحته شركة سايجا (night trap) المعروفة التي تنتج حاسوبات العاب خاصة بها ، احدث ردة فعل عنيفة في الاوساط الاجتماعية . وتصور هذه اللعبة خمس نساء يقتلن بواسطة حفر ثم تعذيبهن بالكهرباء . أشارت احدى الدراسات العلمية الى أن نصف عدد المراهقين البالغين 13 الى 15 سنة والمدمنين على العاب الحاسوب يبدون سلوكا عدوانيا ويملكون ميولا ضد المجتمع ويظهر ذلك بوضوح على سلوكهم اليومي خصوصا المدارس .
ويعتقد بعض أطباء النفس أن تلك الألعاب هي المسؤولة الاساسية عن الطبيعة العدوانية وأنها تؤثر بصورة مباشرة على سلوك الطفل زوفي احيان اخرى تؤدي حالة الادمان على العاب الحاسوب قد تجعل الطفل يتقوقع ويبتعد عن المجتمع وعدم الاختلاط مع الكثير من الاطفال الاخرين . ومع أن بعض الناس يعتقدون أن لعب الحاسوب تشجع الاطفال على التركيز واتخاذ القرار . فان علماء النفس يعتقون انها تؤدي الى العزلة.
وعلى سبيل المثال فان ساعة في اليوم يقضيها الطفل امام شاشة الحاسوب للعب تعني خسارة سبع ساعات في الاسبوع يمكن ان يقضيها الطفل في مجال الدراسة او التعلم او الاختلاط بالاطفال الاخرين لتطوير علاقته الاجتماعية. والانتصار مما ينعكس على سلوكه الخارجي . اما الجانب الثاني الذي تحثه الالعاب العنيفة فهو تطور جانب العنف في سلوك الطفل وتفضيله استعمال العنف في حل مشاكله اليومية . ومن المعروف ان الانتصار في العاب يعني قتل الخصم وتدميره.
والجانب الثالث الخطر في مثل هذه الالعاب ابعاد الطفل عن العالم الحقيقي وادخاله في عالم خيالي يمكن ان يسيطر عليه الطفل بواسطة السيطرة على ازرار جهاز السيطرة على الحاسبة. ويمكن ان يؤدي ذلك الى خلق شعور بعدم القدرة على السيطرة على الحياة الحقيقية.
وعدم الحصول على المساعدة المطلوبة لحل مشاكله بغض النظر عن بساطتها او تعقيدها. وفي العالم الحقيقي بتعلم الطفل كيفية تبادل الآراء والمعلومات مع الاطفال الأخرين والتوصل الى الحلول المطلوبة بالاعتماد على نفسه وتعلم الثقة بالنفس والمناقشة والاستطلاع للحصول على المطلوب. ومثل هذه الخبرات لا يمكن تعلمها عن طريق الحاسبة الالكترونية الجامدة.
ويحذر علماء النفس اولياء الأمور من خمس علامات يمكن ملاحظتها على الطفل وهي :
1- هل يستهلك الطفل اكثر من 30 دقيقة في اليوم للعب امام شاشة الحاسوب ؟
2- هي يميل الطفل الى العاب الحاسوب العنيفة ؟
3- هل يهمل الطفل المواد الدراسية والواجبات المدرسية ؟
4- نتيجة لذلك هل ظهرت بوادر العنف على سلوكه؟
5- هل فقد الطفل القدرة على الاختلاط مع الاطفال الاخرين منذ أن بدأ اهتمامه بالحاسوب ؟
6- اذا كان الجواب بالايجاب على معظم هذه الاسئلة فان ذلك يعني ضرورة معالجة حالة الطفل وابعاده عن ةجو الادمان قبل فوات الاوان والا تعرض سلوكه الى خطر الانحراف ، نحو جانب العنف ومعاداة المجتمع. ويمكن معالجة الطفل بواسطة خفض الفترة التي يقضيها امام شاشة الحاسوب للعب وعدم السماح للطفل باصطحاب لعب الحاسوب الى المدرسة وتشجيع الطفل على الاختلاط الاكثر بالاطفال الاخرين عن طريق الزيارات والقيام بالالعاب الرياضية وعدم منع الطفل من اللعب على الحاسوب ، وانما اختيار الالعاب بدقة ، وحكمة وضرف اقل فترة ممكنة امام شاشة الحاسوب .
من جهة اخرى يعتقد بعض الباحثين ان معظم العاب الحاسوب المتوفرة في السوق لا تؤثر على سلوك ونفسية الاطفال وان هنالك شركات محافظة في هذا المجال. لكن الدراسات الصحية والاجتماعية تشير تالى عكس ذلك الجانب وتؤكد وجود تأثير مباشر لهذه الالعاب على نفسية الطفل ويزداد التأثير حسب العنف الموجود في اللعبة .
ان تأثير صور العنف في هذا النوع يضمنها العنف الذي يعرض على شاشة التلفاز ، تمت دراسته منذ الخمسينيات ولحد اليوم ، وتم تناوله من جوانب عديدة من قبل الكثير من الباحثين . واثبتت جميع الدراسات على ان التلفزيون والعاب الحاسب تؤثر مباشرة على سلوك ونفسية الاطفال وبصورة لا تقبل ادنى شك . وهذا هو الدافع الذي حدا بشركات التلفاز الى عدم عرض افلام العنف قبل الساعة الثامنة او التاسعة مساءا ـ أي بعد ان يذهب الاطفال الى الفراش.
الا ان دخول الاقراص المدمجة واطباق الستلايت اصبحت تعني صعوبة مراقبة الطفل واخضاعه لمشاهدة الافلام الخاصة بفترة عمره واشارت بعض الاحصائيات الحديثة الى ان المراهق بسن السادسة عشرة بشاهد حوالي 50 الف جريمة قتل على شاشة التلفاز التي ثبت عبر الاقمار الصناعية تعرض حوالي 100 جريمة قتل في الاسبوع الواحد على شاشتها . ويصرف الاطفال حوالي ثلاث ساعات يوميا او اكثر في مراقبة التلفاز او جهاز الحاسوب .
وتنعكس تلك الافلام على حياة الاطفال والمراهقين ، اذ إن الكثير من الجرائم التي يرتكبها الاحداث تعتبر تقليدا مباشرا للأفلام التي يشاهدونها وبذلك فانهم يقومون بدور البطل الذي يعتبر مثلهم الاعلى في الحياة.
انا رسالة وسائل الاعلام اللمرئية حاليا الى المجتمع وخاصة في الغرب فهي ضرورية تقبل وجود الجرائم ووجود البطل القاهر الذي يمكنه قتل المجرمين باستعمال وسائل اكثر فاعلية من تلك التي يمتلكها المجرم ، اما بسبب قوته العضلية او امتلاكه سلاحا جبارا وغيرها من الوسائل.
والتلفاز او الحاسوب لا يعكس الحياة الحقيقية لذلك البطل ، وانه انسان عادي يعاني من هموم الحياة كباقي البشر . لهذا فان وسائل الاعلام المرئية تعتمد دائما على وجود الانسان السوبرمان وهو الشخصية الخرافية التي لا توجد في الواقع الذي يعيشه الطفل .
ان الوسائل المرئية التي يستعملها الطفل حاليا وهي التلفاز والعاب الحاسوب في الوقت الذي يمكنها فيه تنمية مواهبه في حالة استغلالها بصورة صحيحة فانها تشكل خطرا حقيقيا على نفسية وصحة ومستقبل الطفل اذا ما انعكست المراقبة وأدمن الطفل عليها.
والحقيقة فإن المسؤولية الاساسية تقع على عاتق وسائل الاعلام واولياء الأمور . فمن الجدير بالذكر ان بعض الباحثين اصبحوا يطلقون على هذه الظاهرة اسم الثلوث الاجرامي. وهي ظاهرة خطيرة تعاني منها كل دول العالم بدون استثناء وستتوسع عند عدم اتخاذ الاجراءات اللازمة الكفيلة بحماية الطفل من التخريب الفكري والصحي والاجتماعي.
