صحراء 24 / عن تنسيقية عمال فوسبوكراع
بحكم وضع الصحراء السياسي، يصبح الإحتجاج من الطابوهات المخيفة، إذ ترى فيه الإدارة تعبيرا عن موقف سياسي، وترى فيه الشغيلة رفضا للإجهاز على مطالبها المشروعة. والغريب في الأمر كله، أن صوت الإحتجاج عندما يَحْتد ويعلو، يتماس مع صوت الإنفصال بحسب المقاربة الأمنية.
فإضرابات الشغيلة، واحتجاجات ذوي الحقوق المهضومة ومطالبة الفوسبوكراعيين بحقهم في السكن تُجهَض في كل محاولاتها بدواع السياسة، إلى حد اتهام كل من يحتج بأنه انفصالي. وفي هذه النقطة بالذات، نطرح السؤال الآتي: لماذا تُـفسر ويُنظر للاحتجاجات بفوسبوكراع بأنها حركات إنفصالية ؟
إن ما وقع في فوسبوكراع خلال أزمة إعتصام ممثل العمال داخل مقر الإدارة وما تلاه من تنكيل بيِّن، وقمع بشِع ومنبوذ، واستفزاز ممقوت وتهديد وضيع لمناضلين آمنوا بأن المطالبة بالحقوق والتظاهر السلمي بات حقا مشروعا في منطقة يدعي مُمْسكو القرار فيها بأنها تسعى للقطيعة مع أساليب الماضي وذكرياته السوداء.
لقد سقط حاجز الخوف الذي جثم على كاهل الشغيلة لعقود طويلة، وانطوى معه أكثر من ربع قرن طويل ومديد من التعسفات والإقصاء والحرمان وتسلط المسئولين، ومصادرة الحريات العامة، وممارسة الوصاية على الناس، تارة باسم الظروف السياسية للمنطقة، وتارة أخرى باسم الاستقرار.
التغيير آت لا محالة، وفوسبوكراع لن تكون بعدُ الاستثناء الفوسفاطي. أما التخويف من الإتهامات السياسية الأبدية، ومن أن شغيلتنا غير مؤهلة بعد لمُمارسة التجربة الديمقراطية، فهذه كلها ادعاءات لن تجدي نفعاً عندما تدُق ساعة الحقيقة.
إن ما تمارسه إدارة فوسبوكراع هذه الأيام لا يمكن اعتباره إلا رسالة واضحة المعالم والخطوط، مفادها أن الألسنة يجب أن تُخرس، وأن شعار الحريات في التعبير والتظاهر موجه فقط للإستهلاك الخارجي. وأن زمن الاحتجاجات والتظاهرات والوقفات يجب أن يُلغى من حيز القاموس النقابي بالصحراء، وأن أي تحرك سلمي لمكونات الشغيلة على الأرض سيجابه بقانون العصى والتصنيف والتخوين والترهيب. وهي رسالة تنم عن سوء
فهم خطير لما يحمله الدستور الجديد من حمولات وانفتاح، وتؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن أجواء سنوات الرصاص عادت لتُخيم على سماء فوسبوكراع.
لا أحد يدعي امتلاك أجوبة يُقنع بها هؤلاء العمال المحتجين على اختلاف مطالبهم، ويقنع بها الرأي العام، لأن الكل مُجمع أن بشركة فوسبوكراع شيئا ما يجب إصلاحه، وأن أي ديموقراطية كيفما كان لونها تتبنى الإحتجاج باعتباره صوت حق، لكن مدير فوسبوكراع يعتبره صوتا نشازا لأنه يتردد في منطقة مُحرّمة. وخطاب الإنفصال قديم جديد، يستغله سيادته لتحريف شعارات المطالبة بالحقوق، وتوجيهها إلى شعارات المطالبة بالإنفصال. يوظف ذريعة الانفصال لكبح جماح المتظاهرين، وتصفية بعض المعارضين ولقضاء مآرب أخرى، يدرك – على أقل تقدير– أنها الورقة الرابحة لثني كل من يفكر في الاحتجاج.
وتَعتبر شغيلة فوسبوكراع أن إقصاءها من حقوقها الإجتماعية دون غيرها من الفوسفاطيين، إن ما يراد به أنهم ومنطقتهم ليسوا مغاربة، وأن استمرار هذا الوضع بمطقة قائمة النزاع لا يراد منه مكاسب سياسية أو الرفع من حِدة تأزم الوضع بها بقدر ما يُرجى استمرار امتيازات المسئولين. وكون وضعية الفساد المالي ولإمتيازات أضحت تشوب وضع المملكة الحقوقي فإنها أصبحت تتم في مؤسستنا “تحت الطاولة” وبمُسميات جديدة.
لا يُماري أحد في أن شركة فوسبوكراع تعرف في هذه الآونة غليانا بسبب الأوضاع المزرية المتراكمة جراء استشراء الفساد وسوء التسيير. وتعالت أصوات من الداخل تطالب بالإصلاح، ولكن للأسف، يُفهم من دعوات الإصلاح ورد الحقوق إلى أصحابها – خاصة بإدارتنا المحلية– توَجه انفصالي داعم لأطروحة البوليساريو، وأن كل مُحتج هو مأجور من قبل قيادة الجبهة، وفي هذه الإتهامات مُسوّغات ومصالح لجهات إدارية.
هم أولا وقبل كل شيء مواطنون، ربما أكثر من مناطق فوسفاطية أخرى(أحرقوا وخربوا الإدارة والمنشآت وقطعوا طريق القطارات). الفوسبوكراعيون يريدون أن يتنفسوا نسيم الحرية وأن يتذوقوا طعم الكرامة وأن يعيشوا في مناخ تسري به حروف العدالة وتطغى عليه مُقوّمات المواطنة الكريمة، وهم عمال فقدوا الثقة في مؤسسة أطلقت الوعود طوال عقود من الزمان يمينا ويسارا ولم تُـنجز إلا الوعيد.
وفقدان الثقة وغياب ضمانات كافية لتغيير حقيقي يشمل كافة الجوانب الإجتماعية والتنموية جزء من أسباب عديدة تدعو للإستمرار في دينامية الاحتجاجات. إن المطلوب الآن ليس محاربة ما يسميه السيد المدير شغبا ويسميه القانون والدستور حقا، ويتعدى حدود التصنيف والتخوين وتوزيع الاتهامات جزافا على هذا الطرف أو ذاك للتخلص من تحمل مسؤولية الإعتراف بالذنب في كل المحطات التنموية التي تم إفشالها.
إن الاحتجاج بكل ألوان طيفه، (اعتصامات، إضراب عن الطعام، الشارات، المسيرات، نصب الخيام، إحراق الذات،…)، كلها تؤدي وظيفة التنبيه على مكامن الخلل في التسيير المؤسساتي. وليس يحز في النفس سوى المطابقة العمياء لسيادته بين الإحتجاج على المطالب الإجتماعية وبين الإنفصال الذي أصبح لازمة بمؤسستنا. وكم من عمالنا ذهبوا ضحية هذا القِران غير الشرعي بين الإحتجاج وبين الإنفصال، حُجة على أولائك الذين ما فتئوا يُرددون – دون حياء – أن حرية التعبير والإحتجاج مكفولان دستوريا.
المطلوب اليوم من الجميع هو تعميق النقاش بين مختلف المكونات والفرقاء، والتطلع إلى حوار على كافة المستويات وبلورة هذا النقاش في ميثاق مشترك يكون دافعا لتأسيس مناخ ينأى بنا جميعا عن سوء الفهم الخطير الذي يجعلنا نعيش تحت وطأة ديمقراطية وهمية مبنية على الإستبداد.
إن شغيلة فوسبوكراع بلغت سن الرشد، وعلى الإدارة أن تعي ذلك قبل فوات الأوان. فالمطلوب اليوم ليس خطوات تجميلية على الصعيد الاقتصادي والمعيشي، بقدر ما أن المطلوب خطوات جدِّية وواضحة المعالم لنَقْل فوسبوكراع بشكل سلمي من الاستبداد إلى الديمقراطية.
خطوات قلناها وكررناها مراراً، مثل تطبيق القانون أولا، والعدول عن ممارسات الماضي، وطي صفحة الإنتخابات المحبوكة من أجل رسم الخريطة المستقبلية، وتحقيق المساواة بين الشركاء الإجتماعيين من دون أي إقصاء أو تمييز. فبمثل هذه الخطوات، لا بالمزيد من القمع وكمِّ الأفواه ومسرحيات التأييد الجوفاء، يمكن لمسئولينا، إن هم أرادوا، أن يستبقوا التغيير ويحضِّروا له.
ومخطئ من يراهن على أن عُمالنا سينزلقون إلى العنف، وليَعِ مسئولونا الذين يُحاولون أن يصطادوا في الماء العكر، ويروِّجوا أكاذيب ضد البعض، أن بضاعتهم سَتُردُّ إليهم مضاعفة.
