الصحراء 24 : بقلم ذ. محمد النجــــار
يوجد النقاش حول سياسة المدينة في مفترق الطرق، وبالرغم من ذلك ليست المدينة المغربية، وكل تجمع بشري مشابه أو أقل حظا أوحجما أو مهما كان صنفه ومداه، في حاجة إلى دراسات علمية وأكاديمة، تدقق مختلف جوانب التأطير القانوني والمؤسساتي والتقني والتدبيرى والمالي. كما لا تعوز الدولة الخبرات اللازمة لبناء البرامج والمخططات والاستراتيجيات، بالرغم من أهميتها القصوى، فالمغاربة، مبتكرون كانوا أومفكرون أومقلدون أوناقلون، قادرون على صنع أبدع الدراسات وأدق البرامج في أقل الازمان الممكنة وفي أحلك ظروف العمل وبأقل الكلف والصوائر. المغرب أحوج إلى همم وأفكار نساء ورجال صادقون ومنطقيون وواقعيون، بالمعنى الإيجابي الطموح وغير الأناني، وإلى إنخراطهم في ترجمة إرادة واضحة أكيدة وباعثة للثقة في الإصلاح وفي صنع قرية منسوجة ببداعة ومدينة قريبة من الكمال تفيد في بناء سعادة الطالح والصالح من البشر، بشكل من الأشكال، فقط زاوية النظر تختلف والغايات غير مفهومة.
الكل يعي أن المدينة المغربية، في حالتها الراهنة، أصبحت مدعاة للأسف وتحولت إلى مجرد ملجأ للعيش ومركزا للضغط والقلق، في حين كانت قبل بضعة عقود فقط فضاء للتساكن الجماعي وفرصة للرفاه والتآنس الاجتماعي والتضامن الانساني ومجالا لإنتاج الثروة وتحقيق الطموح في الرقي بمختلف تجلياته الحضارية والتربوية والاجتماعية والثقافية والفنية. وقد سبق لأبراهام لنكولن، الزعيم الامريكي، أن اعتبر أن أي أمة مهما تجاوزت قدراتها مجموع أجزائها هي نتاج لعناصر ثلاثة: الشعب والأرض والقانون، والظاهر أن صفوة المغرب لا تؤمن بهذا الثالوث، فالشعب بدون مؤطر ولا موجه وبلا أحلام طموحة وغير مادية، والأرض منهكة إهمالا واستغلالا وجشعا واحتكارا، والقانون مفكك الأواصر ومختل التنفيذ ومعاق الجدوى ومخنوق الروح والنفس، والصفوة لا تحمل لا هم شعب ولا أرض ولا قانون، وكأني بها في عدم بلا عمارة ولا حياة ولا نسق ولا جمال.
ومع ذلك، يعترف الجميع، شمالا وجنوبا، يمينا ويسارا، إيجابيا وعدميا، أغلبية ومعارضة، أن الدولة بذلت جهدا جهيدا لمواكبة التقدم العمراني والاجتماعي والاقتصادي لباقي الأمم الأكثر نهضة، لكن هذا الجهد أفقد طنجة دولية عذريتها وآنفا البديعة رونقها وفاس الزهية روحانيتها و مراكش المنارية نكهتها بشوهة إسمنتية وعمرانية ومرفقية لا تتصور. إنه واقع مر أن ننتج بنيانا بلا روح وأن نشيد مدنا بلا قلب وأن ننسج أحياء بلا مقاسات وأن ننسى في تيه الشجع وعمى بصيرة الانا والنرجسية والخواء الروحي والنكوس الفكري ونكوص الحس الفني. المغزى والمراد من بناء تجمع بشري عمراني إن لم يكن وضع دعامات تحقيق الرفاه المشترك والسعادة لبني الإنسان، نفحات فقط نتلمسها في بعض مواقع مدننا العتيقة وبجوار المآثر التاريخية الشاهدة على عبقرية وذوق أجيال أصيلة، عبقرية يدعيها إنسان القرن الواحد والعشرون وذوق أفسده تهوره.
وبفعل الفهم الخاطئ لمدلول مصطلح ” حضارة” الذي تم ربطه في كثير من الأحيان بعظمة البنيان وشموخ الجسور والقلاع بدل اقترانه بقوة بسلوك ووعي الشعوب ول كانت تقطن خياما او بيوت قصبية، وفي خضم الوهم بجاذبية المدينة وثراء ذوي البزات الأنيقة والتقدم السطحي الزائل، نسي بنو الإنسان المعنى الروحي للحياة وبداعة الخلق ورونق الطبيعة وسعادة الزمن، وتسابق الكل لولوج المدينة بشتى الطرق وبكل الوسائل معقولة وغير معقولة، حتى تم إغراق المدن المغربية بسيل من بني البشر لكل وافد جديد قصة نزوحه الاختياري أحيانا والاضطراري أخرى.
ولا ينكر إلا جاحد ما بذل من جهود جبارة منذ الاستقلال حتى اللحظة، لكن الظاهر أن ما تحقق كان في اتجاه إعمار المدن ورص البنيان والمنشآت المختلفة وفتح مناطق للتعمير في توسع غير متناسق ولا محسوب، وتحت ضغط الطلب، غير المبرر في أحيان كثيرة، وصرعة العقار العجيبة، فبالرغم من أن المغاربة مهووسون ب”قبر الحياة” وهذا مقبول لكن أن نسعى إلى امتلاك “مقابر” عقارية كاملة وإقبار أموال ضخمة لا تشغل ولا تنتج سوى قيم نفعية لا تفيد المجتمع بل الافراد.
واليوم، وفي لحظة تاريخية مهما ما يمكن انتقاده من جوانب الظرفية والتفاعلية مع ضغط الشارع والعامل الأجنبي، شاءت التركيبة الحكومية الجديدة، بما تتمع به من صلاحيات في طور التكريس وما يعترضها من صعوبات التنزيل والتنفيذ، نعم شاءت أن تحمل تسمية جديدة لاختصاص قديم-جديد لسياسة المدينة. وما أحوجنا إلى سياسة مثيلة يؤطرها العمل الوطني والعلمي بدل الارتجال والتقطيعية. وأقول تسمية لانها فعلا كذلك، ولم تمتلك بعد السلطات المكلفة بها، ناصية الأمور التي تنجحها، إرادة ومؤسسات وتنظيما، ولم تتوافر بعد رؤية مقنعة لسبل مقاربة معضلة المدينة المغربية ونواتها التأسيسية، أي القرية، في أبعادها المختلفة البيئية والتنموية والثقافية والخدماتية.
سياسة المدينة، تعبير سهل النطق ومغري الدلالة ويمكن أن يشكل موضة لفعل سياسي وخطاب “للديماغوجيا” النثرية والزجلية، لكن حمولتها ومحدداتها ومقوماتها وأبعادها أكبر من مجرد تأهيل أحياء ناقصة التجهيز أو توفير شغل وخدمات صحية وتعليمية، إنها بامتياز منظومة محكمة الدقة لإدارة وتوجيه الانسان وتنشيط حياته داخل فضاء للعيش الجماعي المشترك بين مكونات متنافرة وبنيات متقاطعة ومتشابكة، فضاء أطلق عليه منذ القديم بلدة، فحاضرة، فمدينة، بصرف النظر عن حجمها او وظائفها، والآتي من الآيام ستطالعنا تسميات وأشكال وأحجام تجمعات بشرية أكثر تطورا قد تضاهي ما ينسجه كتاب السيناريو من خيال علمي لمدن معلقة.
والأكيد أن هزالة مردودية الجهود المبذولة للنهوض بالمدينة المغربية لا تعزى فقط لسبب دون آخر ولا يحمل مسؤوليتها طرف دون آخر بل الأمر أعمق وأكثر حساسية من مجرد واقع سيء للمدينة المغربية، وهو واقع يعد بحق نتاجا خالصا لعدد من العوامل:
– صناعة النخبة على الصعيدين المركزي والمحلي، والذي ارتكز على تصنيع محسوب، مع بعض الاستثناءات، وعلى المقاس لنموذج معين لكل مكون بشري داخل النسق “المديني”، إن صح هذا التعبير، وهوتصنيع يقوم على نفحة المخزن والثروة والنسب والمصاهرة في مرحلة معينة، واستمر في التصنيع بنفس مواد التحويل قبل أن تنضاف إليها عوامل تكرير تنبني على الحزبية والنقابية وشراء المواقع بالغالي والنفيس وفق منطق اناني أحيانا وفاسد أخرى.
– لم يكن التخطيط المجالي للقرية والمدينة ينبني على رؤية اندماجية واستشرافية وكأني بالتجمعات البشرية كيانات جامدة لا يطالها التطور، فتخطيط المسالك وتوقع التوسع وتناسق الأحياء وملائمة المتطلبات ومواكبة الخدمات والتجهيزات، لم تكن هواجس حقيقية لمدبري الشأن المحلي ومخططي المجالات الترابية المتباينة، طيلة عقود بقدر ما كانت الاستجابة للحاجات الملحة والانفعالية والمقاربة الأمنية والنفعية العناصر المهيمنة على السياسات العمومية على صعيد كل تجمع بشري، واستحضر، للتدليل على ضعف الرؤية فقط، رواية لأحد التقنيين في إقليم صحراوي حول حوار دار بين عامل شيخ وغير مؤهل عليما كما هو مطلوب. يتعلق الحوار بإنجاز مخطط شارع وهو في الآن ذاته طريق وطنية رئيسية لقرية – مدينة ساحلية صاعدة، حيث اقتصر المهندس لا اتذكر تخصصه، وذلك أفضل، على رسم طريق ذات عرض لا يتجاوز ثلاثين مترا، فأمره العامل الحكيم بتوسعة الطريق بشكل أكبر، فاعتبر المهندس أنها طريق توازي حجم القرية – المدينة، فأوضح له العامل المتنور أن القرية اليوم ستصبح مدينة صغرى فمتوسطة فكبرى بحكم التطور التاريخي الديمغرافي والعمراني، فاستنتج أخي القارئ بعد نظر العامل غير المتمدرس و”عمق” تقنية المهندس……درس للتاريخ، العبرة بالحكمة وسعة الأفق وليس بالشهادات في تخصص تقني كانت أو في قانون أو اقتصاد أو أي علم آخر.
– لا توطين ولا ثبات واستقرار بدورن مورد رزق، من هنا فلا حياة لقرية ولا مدينة بدون نواة اقتصادية انتاجية نشيطة تشغل وتوفر فرص الحصول على دخل مباشر او غير مباشر، وقد تكون النواة، بحجم معين طبعا، مصنعا أو منجما أو منشأة كبرى كيفما كانت طبيعتها ونشاطها، فيكفي مثلا ان تخلق جامعة في ميدنة صغيرة حتى تنتعش بانشطة حرفية وانتاجية وبمداخيل الكراء للطلبة والاطر الادارية والتربوية للجامعة….وللأسف التمركز المفرط للإدارات والمؤسسات والانشطة في محاور ومجالات معينة ادى إلى اختلال التوازن المجالي مما خلق مدا تصاعديا لإفراغ مدنا كاملة بمجرد اندثار نشاط أساسي أو جفاف او حتى التعرض للنهب والاستنزاف، فالتوازن بين المجالات مطلوب فتصوروا، ان النصف الاكبر من المجال الترابي والممتد من حدود الكويرة حتى حدود إقليم تزنيت يعرف غيابا مهولا وعجزا صارخا للمرافق والمؤسسات الكبرى صحية وثقافية وعلمية وتكوينة و……وهلم جرا.
– لا حياة ولا روح بدون فلسفة بناء وفنون جميلة وثقافة تصنع العقول وتغذي الفكر، المدينة المغربية شوارع وازقة ومجموعات سكنية وتجزئات وبنايات ومؤسسات بكل الأشكال والأصناف، لكن لا فضاءات للفن ولا ساحات للرياضة والمسرح والتشكيل ولا مكتبات ذات خزائن كالذر المكنون ولا دور سينما لعرض اجود الدروس الفنية واللوحات التمثيلية، بل نوغل في الحمق والجشع والغرور ونهدم مكتبة تاريجية ودار سينما تحفية بهية، كما وقع في عدد من المدن كمكناس………والمواطن مسؤول لأنه سمح في سلبه حق الذاكرة وفرط في تراث هو جزء من ماضيه. إن البعد الثقافي والفني مدعاة لبعث الروح في المدينة فقد كانت هذه الاخيرة دوما ومنذ نشاتها الاولى فضاء للفكر والحوار والتساكن والابداع، بل و فضاء للسياسة بامتياز.
– ظل دور المواطن، تابعا أو متبوعا، باهتا في رسم قرار إدارة المدينة وصناعة سياستها بجكم “القيم” الثقافية والتربوية والسلوكية السائدة، السلبية غالبا، إلا من رحم الله، فضعف الوازع الخلقي والضمير المهني وشيوع الانحلال والفساد في كل مناحي البيئة الحضرية والقروية معا، ساهمتا في هدر طاقات فكرية ومجهودات حكومية وإدارية واستنزاف موارد لا تحصى وقتل الابداع والمبادرة وتمييع العمل التطوعي والسياسي وأشكال أخرى من الفعل الفردي والجماعي.
وإذا كانت مدننا تعاني من مجموعة من الاختلالات والتشوهات التي هي من فعل البشر غالبا والطبيعة أحيانا، فإن سكنى معظم ساكنة المدن في أحياء هشة وفقيرة ومنعدمة إلى ناقصة التجهيز وغير قانونية وغير صحية وتتفاقم فيها البطالة والانحراف وظواهر اجتماعية أخرى، يجعل حياة المواطن ومتطلبات التنافسية والانتاج وجذب الاستثمار صعبة جدا، ويفرز، كذلك، ظواهر أكثر تعقيدا وتعجيزا، مما يجعل كل معالجة شمولية وصارمة أمرا محفوفا بالمخاطر لكن الجرأة مطلوبة.
ولأجل تحقيق تغيير جذري في مقاربات الإشكاليات التي يطرحها مستقبل القرية والمدينة المغربيتين، أصبح من المستعجل مراجعة أساليب التدخل لاستباق المشكلات وتصحيح الاوضاع بشكل متواز، ووضع الإنسان كعنصر تدخل وكغاية لكل فعل عمومي أو خاص. الشيء الذي يمكن إنجازه أولا،عبر ترقية سلوك المواطن في أي موقع كان، فردا وجماعة منظمة، وتحسيسه وتأطيره وضمان مشاركته الواعية في تحسين فضاء حياته، وثانيا، عبر بوابة الحكومة كجهاز للتقرير والتوجيه ومن خلال الوزارات ذات الاختصاص وثالثا عبرالجماعات المحلية، باعتبارها وحدات ترابية حضرية كانت أو قروية، كجهاز للملائمة والتنفيذ واليقظة والمحاسبة وتمثيل الساكنة تمثيلا حقيقا غير منقوص.
وإذا كان خلق وزارة مكلفة بسياسة المدينة ذو مغزى وإعلانا عن وجود وعي وإرادة قويتين في تصحيح مظاهر القصور وتقليص الفوارق داخل المدينة الواحدة وما بين المدن وتحقيق تكاملية الادوار بصرف النظر عن الخلفيات السياسية والعائلية والعلمية والتقنية لمخططي ومدبري الشأن المحلي وفي تجاوز صريح للعصبيات الذاتية والقطاعية السائدة.
وحتى لا تطأ أقدامنا نفس القاموس الفرنسي والمقارن دون تبيئة ولا مواءمة ونخطو ذات خطوات فرق حكومية سابقة، يلتمس مغاربة، وهم كثر، الصراحة والوضوح واللانفعية والصدقية فقط للانخراط في ورش بناء الوطن، الذي لا تشكل المدينة والقرية سوى خلايا متحولة صغيرة ضمن نطاقه الشاسع وأبعاده النفسية والمادية المتعددة.
وأعتقد أن نجاعة سياسات المدينة المغربية تجد مرتكزاتها ودعائمها في تحقيق ما يلي:
– تجديد النخبة السياسية والاقتصادية والإدارية، محليا ووطنيا، على اعتبار أن المدينة هي محور التقاء الناس والأفكار والمبادرات وتشكل كذلك نموذجا مصغرا للدولة تتداخل فيه اعتبارات متباينة وأبعاد مختلفة، وخاصة على مستوى صناع القرار الإداري والانتخابي والاقتصادي والجمعوي؛
– يرتهن إنجاح سياسة المدينة بالتقاء إرادة العمل المشترك ودون نزوع عصبي قطاعي او هيمني بين سلطتين حكوميتين، ونعني بذلك الداخلية والسكنى والتعمير وسياسة المدينة، وبين سلطتين محليتين، ونقصد العامل كجهاز لا تركيزي ورئيس المجلس الجماعي ودعامة للديمقراطية المحلية، فلا مهرب من التقاء رؤيتي وإرادتي كل هذه الاطراف، دون إبخاس كل منها حقه، وذوبانها في رؤية موحدة ووحيدة يؤطرها هاجس واحد هو مصلحة الوطن في ظل تشريع وتنظيم توافقي وتكاملي لإدارة شأن المدينة، بالمفهوم الواسع، على مستوى الاختصاص والتنظيم والهيكلة مركزيا ومحليا؛
– إحداث آلية ضبط وتدبير موحدة ومشتركة لتخطيط وتنفيذ سياسة المدينة، وتصلح وثائق التعمير، بعد تبسيط مسالك ومساطر إعدادها والتصديق عليها وتعزيز مرونتها وعلميتها وعدم جعلها في خدمة جشع فئة بعينها، كأرضية قانونية ملزمة لرسم هذ السياسة وإدراج توجهات جديدة وإدماج برامج قائمة أو مستقبلية، في نسق متناغم ومتكامل.
– الرقي بمستوى دقة وعلمية الدراسات المواكبة لاتخاذ القرارات المتعلقة بتخطيط القرى والمدن، والضرب على أيدي المتلاعبين بالصفقات المتعلقة بهذه الدراسات وبجودتها، لتفادي استناد وثائق التخطيط على معطيات غير سليمة مما ينتج وضعا شاذا؛
– إحداث ثورة في المنظومة القانونية العقارية وترشيد استغلال العقار داخل المدارات الحضرية والمناطق المتاخمة لها واعتماد توجه التعمير العمودي وتقليص مساحات المرافق والتجهيزات والمنشآت المختلفة؛
– مراجعة دور الوكالات الحضرية، لا سيما على المستوى التدبيري، لتقليص ضغط هذا الأخير وتمكين الوكالات من مواكبة بالخصوص تخطيط المجالات الترابية والمشاريع الكبرى لمتابعة هيكلتها وتهيئتها، من حيث التأطير والمصاحبة والتقييم والتصحيح؛
– النهوض بفن المعمار وتحسين المشهد المعماري، تكوينا وابتكارا. فالحس الجمالي مفقود في معمارنا، وتبقى مبادرات شاذة يقودها ذوي ذوق وحس في أحياء مدننا العتيقة غالبا ب”جير” بثمن بخس وأغراس بسيطة وأبواب مزركشة، لمسات تبعث الروح في ” كل دار دار وكلزنقة زنقة وكل درب درب وحي..حي”، نوذج سلوكي يجب أن تستخلص منه الدروس والعبر من لدن ساكنة الأحياء العصرية عشوائية او نظامية فقيرة او متوسطة او راقية، لبعث الدفء في فضاء عيشهم، بلا حاجة لاستجداء أي جهة كانت، فقط التماس الحوار والقرب من الآخر والتخلي عن المفهوم الاناني ل” التقار”. وعلى حد تعبير المفكر القومي هشام جعيط ” والمُستحسن بالنسبة للمهندس المعماري وهذا نراه عند كثير من كبار المهندسين المعماريين أن تكون له ثقافة ممتدة ليس فقط بخصوص الفكر الفلسفي والإبداعي وهموم العصر والحدس وغير ذلك وإنما نوع من الهم الحضاري المنغرس في تربته أولا لكن قد يمتد إلى الإنسانية جمعاء بحيث لا إبداع حقيقي في مجال المعمار الكبير على الأقل بدون هذه الثقافة…. فنّ المعماري هو من أحسن الفنون الذي يرمز إلى تبادل المعرفة وتكاثفها والتحامها.”؛
– ترقية الجانب الثقافي والفني والرياضي والبيئي للمدينة، بذلك وحده يمكن إنتاج سلوك واع ومتألق ذي عقلية منتجة وإيجابية تحارب الاقصاء وتشيع التضامن والتسامح، وتتحول في مرحلة لاحقة إلى قوة اقتراح وبناء وترسيخ دعائم المدينة المنشودة من الجميع.
سياسة المدينة، هي قبل كل شيء قرار فردي وجماعي وعام وخاص في الآن ذاته، وإن تخلصنا من شرور النفس سنكسب جميعا، فليس من الجميل هدم مدننا وقرانا لنرحل بعدها لمدن وقرى الآخر قصد بدء الحياة وكأن الزمن في لحظة توقف ………..بفعل أنانيتا…………سياسة المدينة فعل مجتمعي جاد ومسؤول يحدث الفرق بين الغابة وفضاء الحياة الإنسانية بكل رونقها ودفئها، إنها أبعد ما يكون من الخطاب السياسي المنمق، إنها مشروع حضاري بكل ما للكلمة من معنى، لا يهم أن نتفق حوله لكن من المبدع ان ننخرط في تصوره وتصحيحه لبلوغ درجة قريبة من الكمال درجة” المدينة الفاضلة”، والكل في النهاية رابح………فلا داعي لأن يربح المرء وحده فتلك هي أم الخسارات، فالمدينة المغربية تحتاج لمن ينقذها لتكون فضاء لعيش الجميع.
*باحث في العلوم السياسية مهتم بالعمران والبيئة

