تسمين الأنثى” لبلوح” دليل على اهتمام المجتمع الصحراوي بالمرأة، قديما كانت له أهمية كبيرة في جمال المرأة الصحراوية، لكن الطرق المعتمدة اليوم أصبحت تشكل خطرا على صحتها
كتبت تومنة الركيبي – العيون –
الطريقة التقليدية لتسمين الأنثى تكريم لها ورفع للذوق الجمالي
تسمى هاته العملية في الحسانية ب” لبلوح” أو “التبلاح” والتي يتم إخضاع الفتاة لها مباشرة عقب بروز الأنوثة والبلوغ قصد تجميلها و وتسمينها بالدرجة الأولى للبروز في المجتمع بشكل مثير، علما أن الذوق الرجالي القديم كان يعتمد السمنة كمعيار للجمال، لكن هذه الحصص “التجميلية” لم تكن تقتصر على اكتناز اللحم فقط بل تتعداه إلى الاعتناء بالبشرة من خلال تعريضها لبخار مجموعة من الأعشاب التي تصقل سحنة الوجه والوجنة وكذا الاعتناء بالفم كمعيار ضروري بمنع الفتاة من قرض الأكل بالأسنان، أضف لذلك عدم الجلوس جلسة مطولة كي لا تصبح فطحاء وعدم الجلوس على مرافقها كي لا تصبح المرافق سوداء، أما الساق فيجب أن تصقل حتى تصير مثل قالب السكر من حيث الشكل. وكانت هاته العملية تتم عادة خلال فصل الربيع حيث تكون الألبان واللحوم متوفرة، فينحر خصيصا للفتاة بعير من صغار الإبل سنا لان لحمها طري، ويجفف لحمه تحت الشمس على شكل “القديد”، ويطهى بشكل خفيف في شحم السنام “الذروة” لتأكل منه الفتاة قدر الإمكان. كما يتم بموازاة ذلك ضرب مناطق محددة من جسمها بسوط رقيق كي تكتنز اللحم و تسمى تلك الفتحات التي يتركها في الجسم ب “لبطط”.
ويعتبر “لبلوح” التقليدي تكريم للمرأة الصحراوية وكذا اهتمام بالذوق الجمالي الذي تشرف عليه نساء من قريبات الفتاة، أو متخصصات في هذا الأمر. و يحبذ أن يكون في البادية حيث يتواجد لبن الإبل والماعز بكميات كبيرة. و تقوم المرأة المختصة بإجراء عملية غسل للأمعاء قبل الشروع في التسمين، لتتمكن الفتاة من تناول وجبات دسمة، فضلا عن الحليب واللبن، واللحوم، ويشترط لنجاح العملية الخلود إلى الراحة وتجنب أي مجهود فكري أو عضلي.
المرأة البدينة دليل على الهدوء والاتزان ووقاية من الحسد والبرد والأمراض
أكدت اسحابة إحدى المشرفات على التبلاح، والتي ورثته عن أختها المتوفية، بأن الهدف منه هو أن تتعلم الفتيات الهدوء والاتزان فالبدانة عند أهل الصحراء رمز للرزانة والانضباط ، فضلا عن كونها مقياس للجمال، وأضافت المتحدثة ذاتها أن الدافع قديما يكمن في أن النساء السمينات تحميهن سمنتهن من الاختطافات التي كن يتعرضن لها آنذاك، إذ يصعب على المختطفين حمل امرأة سمينة، في حين يسهل عليهم حمل خمس نساء نحيفات على جمل واحد .وأبرزت في تصريحها، أن السمنة تعد مظهرا اجتماعيا دالا على رغد العيش ووفرة الغذاء عند أهل الصحراء، كما يسود في المتخيل الشعبي الصحراوي أن السمنة تقي النساء من العين والحسد في فترات الحمل، ذلك أن بدانة أجسادهن تساعدهن على إخفاء بطونهن المنتفخة، وبالتالي درء كل الأخطار التي تنجم عن أعين الحاقدين.
وأضافت أنه كان لدى الصحراويين اعتقاد بأن البدانة التي تتمتع بها أجساد نساءهم تساعد على تجنب الإحساس بالبرد خلال الأيام الباردة، ولإيمانهم كذلك بأن السمنة تعين على توفير الحرارة المناسبة للجسم والحفاظ كذلك على تلك الحرارة، تجنبا لبعض الأمراض التي تنجم عن البرودة كآلام المفاصل، و آلام الصدر .و أشارت اسحابة إلى أن النساء الشديدات البدانة يشهد لهن المجتمع بالاتزان والهدوء، لذلك يتغير نمط حياتهن، فطريقة جلوسهن مثلا أثناء السمر وتبادل الأحاديث الحميمية، تتخذ شكلا مغايرا لما هو مألوف لدى الناس عامة ، إذ أن النساء في أثناء ذلك لا يجلسن على مؤخرتهن ، بل ينمن على جنوبهن متخذات الوسادة كمسند لهن تحت أذرعهن اعتقادا منهن أن الجلوس على المؤخرة يحول دون نموها وكبرها .
كذلك لأن البطن الممتلئ عندهن يحل محل المؤخرة في الجلوس بل هو أكثر راحة منه في هذه الوضعية، نظرا لليونته بسبب انتفاخه جراء السمنة التي تساعد على الشعور بذلك أثناء الاسترخاء. وتضيف “سحابة ” أنه من المعروف أن الزي الصحراوي يمتاز بكونه فضفاض وواسع ، لذلك كانت السمنة حاضرة لتناسب هذا النوع من اللباس.
التسمين العصري خطر على صحة المرأة
كان “لبلوح” طبيعي وليس له تأثير، لكنه اليوم أصبح كيماوي وله مضاعفات خطيرة خاصة على مستوى صحة المرأة، بل صارت مهنة مؤسسة بين سائر النساء الصحراويات، لكنني تقول عيشتو التي استقبلتنا في بيتها، لا زلت من أنصار الطريقة التقليدية، مضيفة أن نساء اليوم اخترعن وصفات وطرق حديثة من أجل الوصول إلى حالة السمنة، باعتبارها هدفا تسعى إليه كل الصحراويات الراغبات فيها، سواء أكان الدافع وراء ذلك جماليا، أم شروط التقليد الأعمى لموروث الأسلاف. فأصبحن يستعملن وصفات سريعة تحتوي على عدة مواد وأعشاب تساعد على زيادة الشهية، من قبيل ما يسمى ب “العجنة” و”الليك” بالإضافة إلى تعاطي بعض الأدوية الخاصة لهذا الغرض ك”الديكادرون” “أبتين” “أنتنونكس” “أوراديكسون” و”دردك”.
وأضافت أن هذا الأخير يعد الأكثر شهرة، ويعرف رواجا كبيرا في صيدليات المنطقة بسبب الإقبال المتزايد عليه من طرف النساء، ما يشجع شركات الدواء في المنطقة على استيراد كميات أكبر منه سعيا لجني أرباح سريعة، كما صرح لنا احد الصيادلة بالعيون بأن الطلب على هذا المستحضر الذي يحتوي على هرمون «الاستيرويد» يتضاعف مع انتهاء السنة الدراسية حيث تحاول الفتيات إعادة البريق لأجسامهن المنهكة بسبب الجهد الكبير الذي يبذلنه طيلة أشهر السنة الدراسية التسع، مما يؤثر في نظرهن على نماء ونعومة الأجسام. و قد لاحظ عدد من الأطباء على صعيد الأقاليم الجنوبية انتشار بعض الأمراض المرتبطة بالسمنة، ومنها السكري، وارتفاع الضغط الدموي، وصعوبات في التنفس. وأشارت عيشتو في تصريحها للصباح أن بعض الوفيات بين نساء الصحراء يسببها تعاطي الوصفات المخلوطة بالأدوية والتي تستقدم من دول مجاورة كاسبانيا وموريتانيا، وهي في الأصل مخصصة لتغذية وتسمين الأغنام والأبقار.
