محمد الفنيش
باحث في السياسات العربية ومختص في ملف الصحراء، مقيم ببريطانيا.
شاءت الأقدار أن نولد في أرض أهلها يعيشون تحت نزاع فرض عليهم من جهات همها الأول التجارة في البشر، وسجلوا سكان الصحراء في المغرب كمواطنين مغاربة وسجلوا في مخيمات تندوف كلاجئين في وقت يعيشون حصاراً ووقتا عصيبا. وسجلوا في الأمم المتحدة على أنهم شعب يجب تقرير مصيره عبر حل سياسي يساهموا فيه الأطراف : الجزائر الداعمة للبوليساريو، المغرب المدافع عن وحدته الترابية، موريتانيا دولة حدودية وشريك للنسيج الصحراوي ولها ملف في الأمم متحدة حول الصحراء تنازلت عنه في السبعينيات، اسبانيا محتلة سابقا للصحراء وشاهدة على النزاع، ثم فرنسا استعمرت وسط وشمال المغرب وموريتانيا وتملك رؤية خاصة وتضغط بطريقتها وحسب مصالحها.
وهناك الطرفين المباشرين المغرب الوطن الأم ثم البوليساريو : انفصاليون حاقدون على تصرفات بعض المسؤولين المغاربة احتضنهم عسكر الجزائر لينفذ مشروعه الوهمي.
الغريب أن في المغرب يوبخ الانفصاليون ويهمشون، وبعد عطلة صيفية في تندوف وشرب الشاي مع محمد عبد العزيز يعودون تحت شعار أن الوطن غفور رحيم. وتلبى رغباتهم أكثر ويولون مناصب عليا في المغرب ويحكموا علينا كمسؤولين بل يكتبوا تقارير عنا وعن وطنيتنا؟؟؟. فأصبحت البوليساريو هي من يعطي الحق والشرعية ولو بطريقة غير مباشرة.
أما الصحراويون الوحدويون فيعيشون في أخر السلم بالمغرب مثلهم مثل باقي المغاربة، فمنهم من يعتصم أمام ولايات المملكة يحملون العلم المغربي وينامون في الشارع، ويكتبون في لافتاتهم خيراتنا كفيلة بتشغيلنا؛ لا من يسمعهم ولا من ينظر إليهم لأن بعض المسؤولين ألهتهم الصفقات الشخصية، وغاب الوطن وغاب الضمير.
اليوم الوضع لا يبشر بالخير؛ إحباط لدى المواطنين وفقدان الأمل في المؤسسات، ما يفرض تفعيل خطاب جلالة الملك الذي ألقاه في البرلمان؛
التفعيل ليس من الشعب المغربي لأن الشعب المغربي مقهور وإذا تحرك سيتحرك مثل تونس وسوريا وليبيا سيأتي على الأخضر واليابس، والحل ليس بالبرلمان.. لماذا.؟؟؟ لأن بعضه غائب وبعضه الأخر نائم والبعض الأخر مات ضميره الوطني والبعض الذي يملك ضمير ويريد العمل مغلوب على أمره.
وهنا أعطي مثال: خلال افتتاحية الدورة الأخيرة للبرلمان من طرف جلالة الملك: حضروا جميعا البرلمانيين والوزراء ؟؟ لا أدري لماذا لم يتغيب البعض منهم.؟؟؟ بل جلس بعضهم في مدرجات مجلس النواب؛ وكانوا يقاطعون جلالة الملك بالتصفيق، وتذكرت تصفيقات حكومة صدام حسين إلى أن أصبحت الدبابة الأمريكية تجري بأقصى سرعتها في صحراء العراق، وتذكرت تصريحات الصحاف وزير الإعلام العراقي إبان أقصر حرب في العالم؛ الملك يعرف جيدا أنه أول يوم لم يسجل غياب في البرلمان وهو ذلك اليوم الذي حضر فيه.
جلالة الملك ملزم بالتدخل العاجل قبل أن تستولي الجهات النافذة على نفس المغاربة كما استولى حزب البعث على نفس العراقيين، وها هي شعارات أمام البرلمان المغربي لا تبشر بالخير بل قد يكون لوبيات الفساد يحاولون استباق الحدث وحشر المؤسسة الملكية في شعارات 20 فبراير. تلك الحركة التي نحترمها لكن شعارها حول المؤسسة الملكية كان متسرعا، لا يعقل أن نطلب من الملك أن يبتعد عن السياسة وبعد ذلك نحشره في الأخطاء.. لكن بعد مرور الوقت الكافي على حكومة السيد بن كيران، أظن أن جلالة الملك لابد له من العودة بقوة ليدافع عن الشعب المغربي كافة من طنجة إلى لكويرة كما دافع عن سكان الدار البيضاء في خطاب البرلمان في أكتوبر الماضي.
إن الواقعية والتعامل مع الملفات بكل صدق وجدية ومنطق هو الأساس لنصرة قضية مغربية الصحراء والانتصار على باقي التحديات.
عندما نجد عرقلة مغربية الصحراء من المسؤولين الجزائريين أو من البوليساريو فهذا منتظر وعادي جداً لنا كمغاربة، لكن أن نجد أن نزاع الصحراء أصبح شركة اقتصادية لبعض المسؤولين المغاربة للإحتكار والمزايدات، بل التلاعب به من أجل وضع المغرب في موقف حرج .. فآنذاك ما علينا إلا أن نقرئ على الدبلوماسية المغربية السلام؛ وهنا لا أعمم لآنه في دهاليز الديبلوماسية المغربية هناك من يسهر على مغربية الصحراء بكل صدق وأمانة لكنها فئة قليلة وتخضع للمضايقات لآنها لم تدخل مع لوبيات الفساد في لعبتها، وعندما ندقق في خطاب جلالة الملك في البرلمان في أكتوبر الماضي ودعوته إلى تحمل المسؤوليات، وأن المنصب ليس ريعا سياسيا وقوله أن قضية الصحراء تمر بمرحلة صعبة. آنذاك تأكد لنا أن السيل قد وصل الزبى. ليس لقوة البوليساريو وليس لقوة الجزائر ولكن لضعف الدبلوماسية الرسمية المغربية التي أصبحت خليط من جهات تعمل لحساب الوطن وجهات تعمل لحساب أنفسها وجيوبها.
بعض السفارات المغربية في أوربا وإفريقيا تعيش حالة من اليأس والنفوذ العائلي جعلت قضية مغربية الصحراء ريع اقتصادي وسياسي، بعض ممثلي وكالات المغرب العربي للأنباء في أوربا يعيشون على قلة الإمكانيات وغياب التحفيز والتوجيه، في الوقت الذي تواكب أنباء البوليساريو والجزائر كل صغيرة وكبيرة بدون أي انتقائية وما علينا إلا أن نقوم بإطلالة على المواقع الإلكترونية لترى الكيفية الإعلامية للضرب في قضية مغربية الصحراء من طرف الخصوم.
لوبيات الفساد في المغرب مستعدة لتسليم جنوب المغرب للبوليساريو حفاظاً على كراسيهم، مستعدة لتسليم المغرب كله لأن علاقتهم بالمغرب علاقة مادية محضة بل منهم من أصبح يستحي التحدث باللغة العربية أو الحسانية أو الأمازيغية لأنها لا تعنيهم، ويفضلون الفرنسية في الوقت الذي نسوا أو تناسوا أن الفرنسيين يحترمون الشخص بالرجوع لأصله.
فهل الشعب المغربي واع بأرض أجداده..؟؟ هل الشعب المغربي مستعد للدفاع عن أرضه كما دافع عنها أجدادنا في وقت كانت لوبيات الفساد تريد تنصيب ابن عرفة على المغرب وسجن محمد الخامس طيب الله ثراه من أجل مصالحهم. لكن المغاربة الأصليين رفضوا ذلك واستشهدوا .. أغلبهم من الطبقة الفقيرة كانوا فقيري الدرهم أغنياء الضمير. استشهدوا في رمال الصحراء وفي جبال الأطلس، ولم نخلد لهم ولو يوما واحدا نسميه يوم الشهيد في سبيل الوطن.
قد لا يريد البعض إزعاج فرنسا أو إسبانيا، لأنه تتلمذ على أيديهم ولا يزال ينفذ أجندتهم؟؟ مغربية الصحراء قضية عادلة بمحامي فاشل، فهل ستتغير الصحراء أم يتغير المحامي؟؟ وبين هذين الأمرين على الشعب المغربي صناعة الحدث.

