بقلم: ماء العينين ماسيك
ان اهمية الموقف الثقافي لا تتحدد في بعدها الميتافيزيقي ، وانما تتحدد في تصورها التفاعلي ، ونصبح بصدد التفكير بالثقافة وليس التفكير فيها ، ذلك انه حتى التفكير في الثقافة لا تتأتى علميته الا من خلال التفكير بها كما اسلفنا ، وهنا يكمن اهم دروس الفلسفة على الإطلاق ، الا وهو مبدأ او درس الموقف . و الحداثة تدخل ضمن هذا الاطار ولا شك في ذلك ، ذلك ان هذه الاخيرة قيمتها لا تتحدد في مفاهيم مجردة ، وإنما تتحدد في استثمار الحداثة في التاسيس لمقاربة علمية ، ثقافية، فكرية لواقعنا ، بمافيه محاولة تأسيس حداثة دينية تاريخانية ، تقوم على اهم المكاسب التي ناضلت من اجلها الإنسانية. .
لقد اعتدنا على خطاب مماسس ، وقد يكون غير كذلك ، وللمفارقة فان الثاني انعكاس للاول ؛ و نقصد الخطاب الذي ينطلق من تصور يرفض او يتغاضى عن تأسيس حداثي تاريخاني للدين او الحقوق الروحية الامانية الاسلامية ، حيث يستهل الخطاب الديني الاسلامي المتماسس رفضه للحداثة بماهي مكاسب تاريخية من اعتبار هذه الاخيرة بما فيها الدينية شان غربي لايعنينا في شئ، ذلك انه حسب هذا الخطاب ان الكنيسة في القرون الوسطى استبدت و تحفالت مع الاقطاع ، وادعت اامتلاكها لمفاتيح الجنة والجحيم ، وهذه الامور غير موجودة او انها لم توجد في التاريخ الاسلامي القديم و الحديث ، يمكن القول ان هذا القول يحمل شيئا من الصدق ، لكن للمفارقة يقوم على نزوع تميعي ليس الا يبعدنا عن المقصد العلمي و التاريخاني ، فليس المهم اختفاء صكوك الغفران عندنا او بعض الممارسات التي أسست لها الكنيسة في القرون الوسطى ، ليس هذا هو المهم ، بل المهم والخطير عندنا نحن المسلمين ، فيظهر في تاريخنا الحديث و القديم كيف يتدخل الفاعلين السياسيين في تحديد طبيعة المذاهب و التيارات الدينية ، التي تفرض علينا ، وهذا الأمر مناف لروح تعاليم الدين الاسلامي نفسه
هذه النقطة تحدث عنها ميكيافيل في كتابه الخطابات ، والذي يعتبر من خلاله ان اهمية العقيدة لا تتحدد في بطلانها ام صدقها و انما تتحدد في حفاظها على ما يسميه هو بالتماسك الاجتماعي .
ومن جهة ثانية نستشف في واقعنا الاسلامي الحديث و القديم ، كيف يصبح الدين وسيلة لدخول معترك السياسة ، وهذا وقع في تاريخنا القديم و ادى الى تفرقنا الى ملل ونحل ، وليس دائما في الاختلاف رحمة ، ذلك نلاحظ كيف تقاتلت و تتقاتل هذه الملل فيما بينها .
ان اهمية العلوم الانسانية و بالخصوص الاجتماعية منها ، تتمثل في مقاربة الشؤون الانسانية بعمق بما فيها السياسية ، واهم مكاسب هذه العلوم التاريخية هو ذلك التأطير العلمي للإنسان . فنلاحظ من داخل واقعنا الاهمية الموضوعية للسوسيولوجيا التاريخية ، والفيبرية ، و الدوركيمية ، وصولا الى السوسيولوجيا البنيوية مع ستراوس .
ان المكاسب التاريخانية و التي يمكن ان نفكر بها في واقعنا تتحدد في ذلك التاطير العلمي للظاهرة الانسانية وكيف ان هذه الظاهرة رهينة بالابعاد السلطوية و تجلياتها السياسية ، و الدين هو الأخر يدخل في هذه الأبعاد و التجليات التاريخية ، سواء كان هذا الفعل التاريخي ، مسيحي او يهودي او مسلم او هندوسي . وهذا اهم مكاسب العلمانية ، ونقصد بهذا الصدد العلمانية الحقيقية العلمية ، وليس العلمانية الادلوجية . نحتاج الى علمانية تتناول الشأن الإنساني بعيدا عن أي ارتباط عقائدي كيفما كان ، هذه العلمانية من خلالها نفهم ماهو للانسان و ماهو للخالق .
في نهاية كتابه السنة والاصلاح كتب عبد الله العروي ” واجب علينا انقاذ العلم و السياسة ، لا من الدين ، اذ المفهوم يتطلب المزيد من التدقيق ، بل المفهوم الذي فرضته السنة ، و السنة مؤسسة بشرية رسمية كانت ام لا، منظمة كانت ام لا . ” ليس الاشكال في الدين بل في التاويل التاريخي له والذي يؤسس للاستبداد الروحي و السياسي . ومنه يمكن تاويل الدين وفق مذاهب انسانية تاريخانية تحفظ الانسان و بالضرورة ستحفظ الدين من تصرف و تاويل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في عالمنا الاسلامي ، ويمكن التاسيس لهذه الحداثة التي تنطلق من المتاح للبشرية جمعاء وتنطلق كذلك من الروح الحقيقة للاسلام .
