ملاحظات حول كتابة تاريخ الصحراء

 

بقلم : محمد الاغظف بوية


للتاريخ أصول وقواعد بينها الكثير من علماء ومفكري التاريخ ولعل أبرزهم من عاش لحظات عرف فيها الإسلام كتابة التاريخ بمنطق الانتماء والانتساب والقبيلة والسلطة. فكان المؤرخ لايبالى بالحقائق ولا يهدف الوصول إليها بقدر ما كان مقصده كتابة حكايات تقربه من السلطان أو الخليفة أومأ اصطلح عليه اليوم الحكم او الحاكم رئيسا كان أو ملكا .لقد عاش ابن خلدون صاحب المقدمة هذه اللحظات وشدد في انتقادها لأنها في نظر تبقي التاريخ حكايات لا يقبلها العقل ولا المنطق بل وتخالف الشرع لأنها محفوفة بالكذب والتلفيق .فالتاريخ في ابسط تعريفاته المقدمة ،فهو مرتبط من حيث دلالته ،بالكتابة ،ذلك ان كتابة الأخبار ،وتدوين الأحداث ،هو ما يجعل منه تاريخا .فبواسطة الكتابة والتدوين يثبت الإنسان ماضيه ،وينقل تجاربه المختلفة عبر الأجيال والعصور ،ومن مكان أخر .فالتاريخ إذن واقعي إذ هو إحداث ووقائع واكتشافات وحروب ،وهو في نفس الوقت معرفة تاريخية اى كتابة وتدوين وأخبار وتفسير .فالمقصود بالمعرفة التاريخية كل معرفة تتخذ من تسلسل التجربة البشرية وتعاقب إحداثها موضوعا لها .بل هي حسب “بول ريكور “عمل منهجي “بمعنى آخر الكتابة او البحث التاريخي الذي يقود إلى الموضوعية .فالمؤرخ يتمكن معتمدا على الوثائق ومنطلقا من الملاحظة المنهجية ،من بناء الوقائع التاريخية “حسب”ريمون ارون”.فهل الأبحاث التاريخية حول الصحراء وبلاد سوس وموريتانيا تعتبر موضوعية، هل ركزت هذه الأبحاث عل البحث التاريخي الرزين ؟سنحاول اكتشاف ذلك من خلال عملية مناوشة لبعض الكتابات التي اهتمت بالمنطقة
.
من ابرز الكتابات والأكثر شهرة كتابات العارف بالله والمؤرخ المسيس الصوفي الاليغي “محمد المختار السوسي “الذي يرجع له فضل نقل مرحلة مهمة من تاريخ المغرب واحداثه بابرازه المشاركة الفعالة والنشطة للعنصر العربي الصحراوي ولاسيما مقاومة الاحتلال الفرنسي ويعتبر كتاب “المعسول “من اهم كتب التاريخ التي حاولت النبش في الذاكرة السوسية والصحراوية لكن تبقى كتابات “المختار السوسي “بعيدة عن رسم صورة واضحة للعنصر العربي الصحراوى .فهو لم ينصب اهتمامه على نقل الخبر التاريخي بكل موضوعية ،فقد تداخلت الموضوعية مع النبرة الحادة لفقيه مسيس لايقبل إلا مايمليه عليه الضمير “المخزنى “.
تقودنا كتابات معاصرة حول تاريخ الصحراء الى تقديم ملاحظات نرى بأنها تدخل في إطار نقد بناء للكشف عن تعالى هذه الكتابات عن كتابة تاريخ يقطع مع التصلب القبلي والعائلي ويبعد المتتبع عن دراسة واقع قديم بلغة جافة ميتة موغلة في رصد الخبر لصالح تصور سياسي أو حساب اجتماعي قبلي.
اذ ترتكب أخطاء كبيرة عند رصد مرحلة تاريخية فبدل أن ينصب الاهتمام على الكشف عن ملابسات الحادثة التاريخية .ينخرط ناقل التاريخ إلى لسان حال جماعته ،في هذه الحالة لابد من التشكيك في قيمة الخبر ولتجاوز هذه النماذج السخيفة يطلب من ناقل الخبران يتمعن في مفهوم المؤرخ العضوي الذي يلتزم بكتابة تاريخية موضوعية أو تكرس نوعا أو نموذجا من الموضوعية تفرض قبوله النقد أي نقد ما يكتب او ما نقل إلينا .إن كتابات صحراوية جنوبية معاصرة لاتخلو من عقدة الانتماء والتحابي للقبيلة والمجتمع الضيق بل الأخطر تكون هذه الكتابات موجهة بخطاب سياسي وانتماء ايديولوجى مما ينسف الخبر ويجعله كخبر “قبائل الحرب وقبائل الأنصار وقبائل الشرف “أو “الأحرار والعبيد والمعلمين ….”
لذلك يطلب من الباحث المعاصر الانفتاح على شروط الكتابة التاريخية الرزين والابتعاد عن الانقياد لأطروحات الانتماء القبلي و العائلي والعشائري ،لان ذلك سيقوده لامحالة إلى تفعيل خبر تاريخي مغشوش يلوى الوثائق التاريخية لتخدم رؤيته الطبيعية لا الثقافية .

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد