المساءلة الشعبية الصحراوية للمسؤولين المغاربة

 

بقلم : محمد سالم مروان

 


شكلت المقاربة المساءلاتية التشاركية مفهوما جديدا و خطابا نقديا لغياب التفاعل في الماضي بين الساكنة و المتدخلين، فأصبحت بديلا للمقاربات التنموية القديمة ، بالفعل تصدرت المقاربة التشاركية القديمة، بشكلها التراتبي الحالي ، اهتمام المفكرين و الفاعلين في الحقل التنموي بعد الفشل الذريع الذي عرفته العديد من البرامج و المشاريع التنموية ، نتيجة عقم السؤال والمساءلة على ضوء المكاشفة والمحاسبة. ولتحليل الواقع المعاش بالصحراء الذي أعيش بين ظهرانيه ، ولتشخيص قدرات الساكنة من اجل إشراكها في صياغة المشاريع و المساهمة الفعلية في إدارتها سنعرض في مقالنا هذا :: مفهوم المقاربة المساءلاتية التشاركية كمنهاج لبلوغ تحقيق رفاهيتنا و من اجل تعديل المعادلة التالية :: خيراتنا الصحراوية تصرف علينا بالتقسيط المشروط نحن الساكنة المستضعفة ،و بالجملة على أعوان الإدارة العمومية المغربية ..

يخضع التحليل المغربي الجردي للأوضاع و المشاكل التي تتخبط فيها الساكنة الصحراوية ،إلى الشكل الاعتباطي والانتقائي والمزاجي، و غالبا ما يخضع لسياسات تنموية تهدف التخطيط للسياسات الماكرو اقتصادية لإرساء أهداف ذات صبغة تنزيفية للموارد الطبيعية  (خيراتنا ) التي تخدم الأجندة الرسمية ، و في بعض الأحيان ذات صبغة اجتماعية بلبوس امني محض تحت غطاء التبجيل والتضخيم الإعلامي الرسمي. وهاته المشاريع تكتسي غالبا طابع البر والإحسان وذات صبغة إنسانية وأمنية لتلبية الحاجيات الاستعجالية و المباشرة للأقاليم والجماعات . بحيث اعتمدت مقاربة نزولية لا تعير أي اهتمام لمشاركة الصحراويين في التحولات التنموية ، اذ يتم تصورها و انجاز برامجها بناءا على معطيات تفتقر إلى الصحة الموضوعية في الكثير من الأحيان ، في تغييب تام للمعنيين من الاستفادة ، اخذين في الحسبان بعين الاعتبار ما سيجنيه المسؤولين الوافدين على المنطقة و المكلفين بتدبير القطاعات الحيوية بالأقاليم الصحراوية من  (ولآت ،وعمال ، و مديرين . و موظفين..الخ ) ، و لتزكية الطابع التشاركي للساكنة كغطاء لتمرير أهداف الإدارة ، تعمد في غالب الأحيان إلى إشراك فئة ضئيلة من المستفدين المنتخبين و الأعيان جثمت بفعل فاعل معلوم على الشأن العام بالصحراء، أكدت التجربة عدم فعاليتها و جدواها، من ريع المبادرات التنموية.

هاته المبادرات التنموية ( بجميع تسمياتها )، غالبا ما تبوء بالفشل لان الساكنة الفعلية المعنية بالأهداف . مبعدة بصفة ممنهجة ومتعمدة من الإشراك في البلورة والصياغة . كما أن هاته الآلية التشاركية القديمة ، المتمثلة في المشاورات السريعة لتمرير مشاريع و برامج تفرضها الإدارات المركزية طبقا لنزوات المسؤولين ،و وفق مبدأ التعليمات و الاملاءات المعمول به حاليا قصدهم : كي لا تتفطن لكيفية صرف المبالغ المعتمدة . مما يجعل الصحراويين لا يفهمون أهداف هاته المشاريع و بالتالي لا يعتبرونها ملكا لهم ،لأنها لا تدخل في خانة مطالبهم الاستعجالية الكثيرة وان وجدت ، قد لا تلبي حاجياتهم الضرورية الملحة ..كل هذا يؤدي حتما إلى مشاكل عدة ، تمثلت على سبيل المثال في السلبية و الاتكالية والنقد و الاتهامات الصريحة لأصحاب القرارات التنموية  “السندويتشية” بالمنطقة . و لتفادي هذه النقائص تم اقتراح مسائلة شعبية للوزراء على غرار المسائلة الشهرية لرئيس الحكومة المغربية ، و مسائلة وزرائه أمام المجلسين النيابيين . من طرف ممثلي مجتمع مدني صحراوي ناضج و راشد ،على اعتبار أن قضيته (الاستقلال أو الاندماج ) ما زالت لم تراوح مكانتها بين كواليس الأمم المتحدة… مجتمع مدني صحراوي يعرف ما يريد و يحدد تدريجيا أهدافه بدقة تساؤليه من الأسفل إلى الأعلى ، وفق منسوب تشاركي صريح و مسؤول بعيدا عن المزايدات الغوغائية. للحصول على أجود النتائج لتمكين الساكنة من الاستفادة من خيراتها. بحكم : ان التسيير المغربي إداري محض وليس سيادي أو سياسي بمنطقة الصحراء الغربية.


تعتبر المشاركة في اتخاذ القرارات التنموية عبر قناة المسائلة الشعبية لوزير مغربي معين بحضوري ممثليه المفوضين بالإقليم ، أصبح اليوم مبدأ أساسي لا رجعة فيه ، ضمن إطار السياسات الجديدة التي بدأت في الظهور من اجل تقليص نظام التمركز الذي كان سائدا في الماضي و لعقود في العالم بآسره . و ضمن ما كرسه رئيس الحكومة المغربي بنفسه كإلية للحكامة المغربية..زكتها حوارات بعض الرؤساء على الهواء مباشرة مع مواطنيه. )….. وبذلك يتم استخدام هذا المنهاج التشاركي في تقوية المشاريع التنموية و كاداه كذلك لتقوية القدرات المحلية (إن لم تكن هناك نية مبيتة أساسها الإقصاء ) من اجل تغيير يهدف إلى تحقيق تنمية هاته المشاريع و استدامتها وفق منظور تثبيت دعائم دخل قار لذوي الهشاشة من الساكنة عوض بطائق البر والإحسان  (الإنعاش الوطني ) التي يوزع فتاتها عليهم و أصبح الكل رهينة لها غثها و سمينها. يمكن اذن اعتبار المسائلة رقابة شعبية لا تعفي المسؤول من المحاسبة العلنية حول دفتر تحملات يكتسي طابعا امميا يتم الالتزام به لتسيير وتدبير المرفق العمومي الإداري بالصحراء.خدمة للساكنة المحلية وحدها دون غيرها. اليوم ، الكثير من البلدان تنحو نحو سبيل اتخاذ هذا الأسلوب وسيلة للقطع مع التصرفات المشينة التي تسوء الاقتصاد الاجتماعي و تدفع به إلى اقتصاد الريع كما هو معهود لدينا في الصحراء بشكل مستفز وواضح، وذلك عبر فضح من سولت له نفسه الأمارة بالسوء : التلاعب بمصير خيرات الصحراء و رميها في مشاريع لا تعود بالنفع على من خصصت لهم ، للاستفادة منها على المدى القصير والمتوسط والطويل.

كما أن احترام الرأي الاجتماعي التشاركي في أي مسالة كانت ، من شانه المساهمة في تغيير علاقة السلطة الإدارية القمعية و المتخاذلة والمتواطئة مع الفاسدين المحليين بالصحراء . هذا الاحترام يروم وضع خطوطا حمراء أمام استهتار من فوض لهم أمر تدبير شؤون الساكنة بحكم مسؤولية الدولة المغربية المدنية اتجاه الصحراويين ومن ساعدتهم ريعيا من منتخبيها، لمساعدتها على ترويض الساكنة منذ أمد بعيد …. بعيدين كل البعد عن العقلية المتمثلة في إرساء دعائم القبلية الفتاكة لتسيير الشأن العام المحلي بالصحراء.. قصد تأكيد الارتباط بالمجال لدى المنتظم الدولي إلى حين يستقيم الوضع … (وكيف يستقيم الظل والعود اعوج؟؟؟ )

إن احترام مبدأ المسائلة الشعبية التشاركية للجميع ، يستوجب عملا شاقا و دؤوبا و متواصلا في تحليل الواقع و هوامشه. بدأ بالتشخيص و التحليل ومرورا بالمشاركة في التخطيط و وصولا إلى التطبيق و التتبع و التقييم. ضمن إطار المكاشفة الميدانية في عقر دار المشروع التنموي وإعطاء السلطة الحقيقية للساكنة وخاصة الفاعلين الحقيقيين في الحقل التنموي الصرف الذين أبانوا عن كفاءة محمودة . و هذا ما لا يتحقق عبر اجتماعات مغلقة وقصيرة وخاطفة في مكاتب أو قاعات مكيفة ومزينة بورود و حلويات و مشروبات يؤثت فضائها زمرة من المتملقين و الانتفاعيين والانتهازيين الفاسدين. وممنوعة على الفاعل المدني الحقيقي الجاهر بالحق…..

إن الاتكالية على إفرازات الانتخابات بشكلها الحالي، كفاعل و لاعب أساسي من باب الرياء السياسي، لنقل معانات الصحراويين بشكل سليم و الدفاع عنها، أصبح أمرا مشكوكا فيه . إن المسائلة الشعبية للمسؤولين بجميع تلاوينهم وفق دفاتر تحملات ، ستمكن الساكنة من تحديد المشاكل عبر أولوياتها ووقعها على الحياة الاجتماعية الفعلية . ضمن بوتقة توزيع الأدوار و المسؤوليات على الطرفين  (المسؤول المواطن  + الفاعل المدني الصحراوي ). من اجل إنشاء نظام تتبع و تقييم كركيزة أساسية النجاح التنمية المواطناتية بمفهومها الهادف و البناء.  (انظر مقالنا في الربط التالي: http://sahranews.com/news2409.html
يجب أن يوضع الإنسان الصحراوي من طرف الإدارة المغربية، في محور الاهتمامات بدل الاهتمام بالمجال الجغرافي فقط. و كذا العمل على إشراكه بشكل فعال في اتخاذ القرارات المرتبطة به ، تطويرا لمعارفه وقدراته التشاركية، من اجل إعانته على اكتساب مهارات السؤال و النقد البناء باستقلالية تامة لاختيار الأفضل ممن يمثلونهم اجتماعيا ، قصد التحكم في المشاريع التي تخصه مباشرة وترشيد مواردها المادية، من اجل ديمومتها التنموية على واقعه المعيشي. وليس عبر الخطاب الديماغوجي والتحليل التوجيهي لواقع الصحراويين نحو مقولة العام زين، . لذا يستوجب على الإنسان الصحراوي أن يحطم جدار الصمت و أن ينبذ كل ما من شانه أن يكرس مبدأ الخنوع والانتهازية و التكاسل والاتكالية وانفصام الشخصية وتقديس الذات و الو لاءات و السقوط في ما لا يحمد عقباه (القبلية الرجعية العمياء ).. من اجل بناء مجتمع صحراوي صحي و سليم و ملقح من الفيروسات الفتاكة التي تنخر جسمه السقيم..


محمد سالم مروان med_salem_yasser@hot
                                                

حقوقي وفاعل جمعوي ونقابي

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد