الصحراء 24 : بقلم / الداودي محمد
شيوخ تحديد الهوية مؤسسة تعود نشأتها الرسمية ذات الطابع السياسي الوظيفي لفترة الإستعمار الإسباني بالصحراء المغربية، حيث عمد المستعمر في فترة معينة إلى منح هذه الصفة لعدد من وجهاء قبائل الصحراء بناء على تمثيلية يوقعها عدد مهم من قبيلة ما، و يشترط أن تصل تزكية شخص معين إلى ما يفوق المأئتي كانون.
و قد عمد الإسبان وقتها إلى هذا النموذج التمثيلي التقليدي الذي ينسجم مع مستوى ودرجة الوعي بالمجتمع الصحراوي في ذلك الوقت.
وكان الغرض، بطبيعة الحال، لدى الإدارة الإسبانية هو ضبط الصحراوين، ومركزة توجهاتهم عن طريق منح هؤلاء الشيوخ غطاء إداريا معينا، للأنه لا يجب أن ننسى أن هاجس الإسبان حينها، كان هو محاولة محاصرة مد فكر المقاومة وجيش التحرير المغربي عن إقليم الصحراء وهو ما فشلوا فيه بشكل كبير جدآ.
الشيوخ كمؤسسة سيجدون أنفسهم من جديد داخل محتوى تدبير ملف قضية الصحراء، وتحديدا في الشق المتعلق بتحديد هوية الأشخاص المؤهلين للمشاركة في الإستفتاء، الذي كان عنوانا لمرحلة تم التأكيد على إستحالة تنفيذها، والذي ثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه كان عنوان مزايدة سياسية حاولت جبهة البوليساريو استعمالها لسنوات عدة من أجل تمديد زمن الصراع السياسي لا أقل ولا أكثر.
لقد انتهت هذه المرحلة وتبين للعالم أن لا حل لقضية الصحراء بعد مرور خمسون سنة دون القدرة على زحزحة الثوابت المغربية الشرعية في حقه في جزء من ترابه الوطني،
وتبين أن الأمر، في حقيقته، هو في الأصل صراع إقليمي غذته الجزائر للأجل إضعاف الجار كعقيدة في الفكر السياسي العسكري لنظام الجزائر.
لقد تراجع دور شيوخ تحديد الهوية بحكم إنتفاء مبرر الوجود، وبحكم أيضا، تطور مفهوم تمثيلية المجتمع الصحراوي الذي انتقل من مجتمع الرحل والبدو إلى مجتمع متمدن يتماهى مع مظاهر التمدن التي تحولت إلى واقع معاش تظهر ملامحه البارزة على نمط عيش وحياة الناس في جميع تجلياتها الفردية والجماعية، وبالتالي ظهر نوع من الخلط غير منسجم مع نمط في الحياة المدنية لهذا المجتمع، الذي يساهم في الحياة السياسية بشكل نشط وكبير وينتخب هيئات تمثيلية حداثية تعبر عن ممارسة ديمقراطية معينة، وبين نمط مؤسسة الشيوخ كنظام تقليدي فقد مشروعيته الديمقراطية التمثيلية،
بحكم أن الإستعمار الإسباني، بالرغم من مظاهر البداوة انذاك فقد عمد إلى ضرورة توفر الحد الأدنى من موافقة معينة من طرف مكونات قبلية على تسمية الشيوخ.
واليوم لا نجد في شرعية الشيوخ الحاليين أي مظهر من مظاهر الشرعية الديمقراطية، بل الأدهى من ذالك أن تشياخت تحولت إلى إرث يورث للأبناء، وهو إجراء نفعي اكثر منه تقليد له جذور واضحة في ثقافة الصحراء وأهلها.
إن الوقوف في هذه المنطقة الرمادية بين نمط الحداثة والتطور كتوجه للدولة المغربية وبين محاولة إشهار ورقة التميز التقليدي لمجتمع الصحراء كتوجه إنتفاعي يندرج في ثقافة الريع المقنع بقناع ما، لم تعد ضرورة وجوده تتماشى حتى مع تطور قضية وحدتنا الوطنية التي يعول عليها كتأسيس لنظام ترابي وإداري جديد للمملكة المغربية يتوج مرحلة ما بعد التقسيم الجهوي ليؤسس للجهوية الموسعة في شمال المملكة والحكم الذاتي في جنوبها.
لا يمكن اليوم في ظل هذه المكاسب السياسية التي حققتها بلادنا كقوة دبلوماسية ناعمة، زادها في ذالك التدرج الهادئ في تراكم التجارب والنتائج الإيجابية، في ظل مناخ داخلي يجعل من دمقرطة المجتمع مدخل اساسي لمواصلة بناء الدولة الحداثية، أن نظل متأخرين عن فهم أن العالم أصبح قرية صغيرة لا مكان ولا أفق فيه للخلط بين ثقافة غير ديمقراطية تستمد مشروعيتها من التوريث وبين التمثيلية الشرعية التي تستمد قوة حضورها من الإستناد إلى شرعية إنتخابية حداثية.
لا يمكن لمؤسسة الشيوخ أن تجتمع لمناقشة إشكالات التشغيل والصحة والبطالة والتعليم وما شاكل ذلك من أولويات مجتمعية أنية.
ولا يمكنها، بل غير مسموح لها، بقوة القانون أن تبادر إلى توقيع اتفاقيات التعاون والاستثمار، فهذه أمور موكولة للمؤسسات المجتمعية المنتخبة التي تمثل الامتداد الطبيعي للدولة في الأقاليم الجنوبية، وبالتالي فما نشهده في مؤسسة الشيوخ هو فقط تعبيرات عن نوع من ثقافة تقليدية يراد التشبت بجزء منها لغايات وجودية فقط تحافظ على امتيازات مادية واعتبارية فقط لا أقل ولا أكثر .
مجتمعنا بالصحراء المغربية عرف تطورآ كبيرا وأصبح جزء كبير من أبناء هذه المنطقة يتبؤون مكانة ثقافية وعلميه تؤهلهم لفهم و رؤية تحيط بمستقبل المنطقة وفق مشروع الحكم الذاتي كحل يلبي فسح المجال أمام الطاقات والكفاءات الحقيقية داخل هذا المجتمع.
والإختيار الديمقراطي، داخل هذا التوجه، هو في عمق و صلب رؤية جلالة الملك محمد السادس على إعتبار أن محاولة التشبت بمؤسسات لم يعد لوجودها مبرر لتنافيها مع قيم الدولة الحديثة، هو فقط هدر للوقت وتضييق على توجيه بوصلة بناء المغرب الحديث الذي يستعد لتدشين منعطف تاريخي في كيفية إدارة خريطته الترابية، وفق نظام ترابي جديد يراعي الخصوصية الإقتصادية والإجتماعية لكل جزء من أجزائه الممتدة من طنجة إلى لكويرة ومن الراشدية إلى أسفي …
محمد الداودي

