الصحراء 24 : بقلم / محمد الداودي
في السياسة يعتبر عامل التوقيت للإتخاذ القرارات ألإستراتيجة في حياة الدول عاملا أساسيآ ومهما يضمن نجاح هذا القرار أو ذاك .
وهذا ما يمكن أن بنطبق على الإختيار الحكيم للدولة المغربية حينما حدد جلالة الملك محمد إلسادس إطار الحكم الذاتي كحل لا محيد عنه لطي ملف الصحراء المغربية.
المرحلة الحاسمة التي كانت مفتاح توهج هذا التوجه هو إعادة تحديد معالم علاقات التعاون على المستوى الخارجي للمملكة المغربية من خلال الموقف من هذا الملف حيث أن العاهل المغربي كان واضحا حينما قال في إحدى خطبه أن الموقف من قضية الصحراء هو المنظار التي تحدد من خلاله المملكة المغربية علاقاتها على المستوى الدولي .
منذ ذاك الحين إرتفعت مؤشرات التصريحات الدولية من دول لها وزن دولي وإقليمي تعبر صراحة عن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي كحل يحظى بالواقعية والجدية ويستطيع أن يترجم تطلعات ساكنة الأقاليم الصحراوية المغربية ويضمن للجميع خروجا يحفظ ماء وجه كل المتدخلين في هذا الملف الذي هو في الاصل حلقة تندرج في إطار إستكمال الوحدة الترابية للمغرب الذي نال إستقلاله على مراحل بحكم انه عانى من إحتلال قوتين إستعماريتبن إسبانيا في الشمال واقصى الجنوب وفرنسا في الوسط .
والحالة أن ذكرى عيد المسيرة الخضراء التي نتطلع لها جميعا خلال نهاية هذه السنة الجارية ستكون هي الذكرى الخمسينية للإسترجاع منطقة الصحراء .
بمعنى نصف قرن من الزمن عرف بالنسبة للمغرب والمغاربة تطورات موشومة بالدم والفخر دفاعا عن تراب الوطن وعرفت كذالك هذه المرحلة الزمنية تطورات كبيرة لملف الصحراء منذ وقف إطلاق النار وتناوب عدد من المبعوثين الخاصين للأمم المتحدة.
الذين خطوا العديد من المقررات ذات الطابع الأممي بشكل سنوي .
كما مثل هذا الملف في فترات معينة عامل ضغط سياسي على المغرب تجاه مصالحه الاقتصادية أو السياسية تجاه الاتحاد الاؤروبي أو الافريقي من خلال العديد من المفاوضات ذات الطابع الاقتصادي لا سيما منها اتفاقيات الصيد البحري والفلاحة .
في المقابل شهدت مدن الصحراء خلال الخمسون سنة هذه تحول جذريا على مستوى البنيات التحية لمدن الصحراء. العيون. الداخلة بوجدور والسمارة وطرفاية والعديد من الجماعات الترابية المحيطة بهذه الحواظر الكبرى .
تطور غير ملامح المنطقة لتتحول الصحراء إلى نقطة جذب سياحي وإقتصادي عززته رؤية جلالة الملك المتمثلة في جعل المنطقة بوابة عبور وأمتداد نحو أفريقيا يربط الشمال الجغرافي للمغرب و دول أوروبا تحديدا بوسط والجنوب الأقصى للقارة الأفريقية.
توجه يتعزز من خلال تقوية شبكة الطرق والموانئ وفتح المجال الجوي وتبسيط مساطر الاستثمار الأجنبي في هذه المناطق..
كل هذه الأشياءالاستراتيجية الكبرى تم تحقيقها بدون عائدات البترول ولا غاز فقط بعزيمة وتضحيات الدولة المغربية .
ونهجها المؤطر بعدالة قضيتنا الوطنية التي ترتفع عن أي مساومة أو حلم إنفصال أو تقسيم.
وبالتالي فإن الذكرى الخمسينة لإسترجاع الصحراء يمكن أن تمثل تنزيلا واقعيا للحكم الذاتي على أرض الميدان ليتحول من مجرد وضعه كأقتراح سياسي نال المصداقية الدولية إلى عامل جذب لكل مكونات المجتمع الصحراوي لا سيما منهم البقية المترددة التي يتواجد منهم جزء داخل مخيمات تندوف في مواقع مختلفة أو الجزء المتواجد بالعديد من الدول الاوروبية .
فتنزيل آلية الحكم الذاتي كما هي مرسومة كمشروع يتيح لسكان الصحراء المغربية تدبير الشأن المحلي بصيغة أوسع وأشمل من ما هو مؤطر قانونيا كمجال إختصاص للجماعات الترابية ومجالس الجهات المجالية .
بل يتعداه إلى نوع من التدبير الموسع من خلال إنتخاب برلمان محلي بإلاظافة إلى آليات أخرى في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرياضة ذات إستقلال يتسم بهامش كبير من حرية المبادرة المؤطرة في الحفاظ على رموز السيادة الوطنية كالعلم الوطني والعملة النقدية وكل ما يتعلق بالدفاع الوطني .
ولنا تجارب دولية راكمت نجاحات اقتصادية كبيرة من خلال هذا التوجه السياسي الذي من شأنه حقن دماء المسلمين وإقتصاد الكثير من الجهد والمال الذي بذل طيلة خمسون سنة في تدبير هذا الصراع المفتعل .
تنزيل من شأنه ايظا أن يفسح المجال أمام تجديد الرؤية المستقبلية لدول شمال أفريقيا من خلال رسم معالم جديدة لمجلس التعاون الشمال إفريقي الذي من خلاله تستطيع هذه الدول بناء تكتل سياسي واقتصادي بات الإسراع في إنجازه ملحا بالنظر لتطورات التي عرفها ويعرفها العالم لا على مستوى منطقة الشرق الأوسط أو على مستوى دول وسط أفريقيا.
فتنزيل الحكم الذاتي في اعتقادنا لن يكون فقط حل لقضية عمرت نصف قرن من الزمن بقدر ما يمكن أن يمثل تحولا مهما وملهما لعلاقة التعاون والتكامل بين دول الشمال الافريقي التي تتوفر فيها كل عوامل القوة الاقتصادية والاجتماعية التي من شأنها أن تنعكس بشكل إجابي على شعوب هذه الدول هذه الشعوب المتوحدة في اللغة والدين والتاريخ المشترك .
قطبي رحى هذا المسار الوحدوي الواعد هما المغرب والجزائر.
وقد حرص العاهل المغربي في أكثر من مناسبة على توجيه رسائل مطمئنة للجارة الجزائر من خلال التأكيد على اليد الممدودة التي يمكن من خلالها طرح جميع الأمور الخلافية على طاولة الحوار وإجاد الحلول المثلى التي تحفظ للجميع مصالحه وفق منهجية رابح رابح التي باتت عنوان يؤطر مجالات التعاون الدولي .
وبالتالي فإن المغرب عبر عن موقفه بكل وضوح والكرة في ملعب نظام الجزائر التي عليها أن لا تفوت الفرصة المثالية للإن الرهان على خمسون سنة أخرى من الانتظار ستكون تكلفته السياسية والاقتصادية ثقيلة على الجزائر بالدرجة الاؤلى.
المغرب دعى محيطته الاقليمي بقلب سليم وتنزيل الحكم الذاتي بالاقاليم الصحراوية المغربية هو الكفيل بطي هذا الملف بصفة نهائية والانطلاق نحو أفق أخر من تطور بناء الأمة المغربية
محمد الداودي

