الصحراء 24 : امين لحميدي
شهدت الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة مطلع يونيو 2025 زلزالًا إداريًا هادئًا، لكنه عميق الأثر، تمثل في قرار إعفاء مدير الافتحاص الداخلي، و هو منصب يُعد من صلب آليات الرقابة و الشفافية داخل المؤسسات العمومية.
غير أن هذا الإعفاء لم يمر مرور الكرام، بل فتح الباب واسعًا أمام تساؤلات جوهرية حول خلفيات التعيين و الإعفاء، و مدى احترام المساطر القانونية و المؤسساتية المؤطرة لهذه الوظائف الاستراتيجية.
بين النص الدستوري و سؤال التطبيق
يضع الفصل 154 من دستور المملكة معايير واضحة لتسيير المرافق العمومية، ترتكز على الجودة، و المساواة، و الاستمرارية، و الحياد. و هي مبادئ ترتبط ارتباطًا عضويًا باستقلالية جهاز الافتحاص الداخلي.
كما أن القانون التنظيمي لقانون المالية رقم 130.13 يجعل من وظيفة الافتحاص إحدى أدوات ضبط النجاعة و الشفافية و ربط المسؤولية بالمحاسبة.
و على المستوى الدولي، تؤكد معايير المعهد العالمي للمدققين الداخليين (IIA)، و المذكرة التوجيهية 20/2020 الصادرة عن المفتشية العامة للمالية، على ضرورة الفصل التام بين الجهة المفحوصة و الجهة المفحصة، بما يضمن موضوعية التقارير و مصداقية النتائج.
تعيين خارج القواعد… و استفهامات مُقلقة
تفيد معطيات متطابقة من داخل المؤسسة أن المدير المعفى تم إلحاقه من وزارة الاقتصاد و المالية، و عُيّن في مؤسسة هو نفسه مُكلف بافتحاصها، في خرق صريح للمقتضيات التنظيمية و على رأسها منشور وزارة المالية رقم 3‑2011، الذي يمنع تبعية مسؤول الافتحاص للجهة المفحوصة تفاديًا لتضارب المصالح.
الأخطر من ذلك، أن عملية التعيين ذاتها لم تخضع لمساطر الانتقاء و التباري المنصوص عليها في المرسوم المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، ما يطرح علامات استفهام حول مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص و الكفاءة و الاستحقاق، كما نص عليه الفصل 31 من الدستور.
– تقارير على المحك و قرارات قد تكون باطلة
يتجاوز الإشكال هنا حدود الإعفاء إلى سؤال جوهري: ما مدى مشروعية التقارير و القرارات التي أصدرها المعني بالأمر خلال فترة توليه المنصب؟
تشير مصادر نقابية إلى وجود تجاوزات خطيرة، من بينها منح زيادات مالية استثنائية لموظفين مقربين، دون تأطير قانوني أو تعميم إداري، و هو ما قد يشكل خرقًا لمبدأ المساواة، و انحرافًا في استعمال السلطة التقديرية.
و تنص المعايير الدولية (IIA 1100) على أن أي مساس باستقلالية المدقق الداخلي يُسقط عنه الحياد المفترض، و يجعل مخرجات تقاريره قابلة للطعن، خاصة إذا ترتب عنها آثار تنظيمية أو مالية داخل المؤسسة.
النقابة الأكثر تمثيلية: منبه رقابي و فاعل مؤسساتي
أمام هذا الوضع، لم تقف النقابة الأكثر تمثيلية بالشركة مكتوفة الأيدي. فقد كانت سبّاقة إلى دق ناقوس الخطر، عبر خطوات نضالية و مؤسساتية قوية:
– رفع شعار “الأجر الخرافي” للمدير المعفى خلال مسيرة فاتح ماي 2025.
– تنظيم وقفتين احتجاجيتين يومي 20 ماي و03 يونيو أمام المقر المركزي للمؤسسة.
– توجيه مراسلات دقيقة إلى كل من المجلس الأعلى للحسابات، و هيئة النزاهة و محاربة الرشوة، و المفتشية العامة للمالية.
كما طالبت النقابة، من موقعها كهيئة تمثيلية، بفتح تحقيق مؤسساتي مستقل، يشمل مرحلة التعيين، و طبيعة التدبير الإداري و المالي خلال فترة تولي المسؤولية، مع التفعيل الصارم لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
من لحظة إعفاء… إلى لحظة مساءلة.
ليس هذا الإعفاء مجرد قرار إداري عابر، بل هو اختبار حقيقي لمدى التزام المؤسسات العمومية بمبادئ الشفافية و الحكامة. و هو ما يستدعي، في هذا السياق، جملة من التوصيات العاجلة:
– فتح تحقيق شفاف و مستقل يحدد المسؤوليات القانونية و السياسية المرتبطة بالتعيين و الإعفاء.
– مراجعة تقارير الافتحاص السابقة من زاوية مدى التزامها بمبدأ الحياد و الاستقلالية.
– تحيين شروط تعيين مسؤولي الافتحاص، و تحديد ضمانات تحصّنهم من التبعية و التأثير.
– تعزيز استقلالية وحدات الافتحاص داخل المؤسسات العمومية، و ربطها بهيئات رقابية عليا خارج بنية التدبير الداخلي.
أزمة ثقة أم فرصة إصلاح؟
في خضم هذا الجدل، يظل السؤال الجوهري معلقًا: هل نمتلك في مؤسساتنا العمومية الإرادة الفعلية لتكريس الشفافية، و حماية آليات الرقابة من التوجيه و التوظيف، أم أننا بصدد تدبير عرضي لأزمة كان بالإمكان تفاديها؟
إن الجواب الحقيقي لا يُكتب في بلاغات الإعفاء، بل في مدى قدرتنا على مساءلة القرار، و مأسسة الرقابة، و تحصين الوظائف الحساسة من منطق الولاء و الترضيات.

