على هامش إنهاء مهام المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية والتعليم الاولي بالعيون “محمد البشير التوبالي” الإنسان الراقي و المسؤول
الصحراء 24 : بقلم/دكتور حسن تلموت
أولا أستطيع أن أقدم وبكل ثقة لهذه المقالة وبلسان السواد الأعظم الذي لا يكاد يخالطه استثناء، من رجال ونساء التعليم بمدينة العيون أن خبر إنهاء مهام السيد “محمد البشير التوبالي” المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي بمديرية العيون، كان خبرا مزلزلا، وغير مريح إطلاقا، خلف إلى جانب الدهشة المفرطة حزنا عميقا، دهشة كبيرة موردها استغراب أن يكون جزاء الكفاءات في بلادنا هو الحؤول دون استمرار العطاء بالتوقيف أو العقاب.. أو نحوه في إحالة على “جزاء سنمار” وأما الحزن الشديد فمورده الخوف على مسارات الإصلاح، الأمر الذي كان السيد “البشير التوبالي” المؤتمن الوفي على تنسيق مشاريعه إقليميا.
مقدمات لابد منها:
1- من الصعوبة أن يصدر فاعل نقابي موقفا من مدبر إداري، لكن الحقيقة التي تفرضها قيم الشراكة هي أن الشهادة لا ينبغي كتمانها مهما كانت التقاطبات حادة، (( وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚوَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآية 283)) ترسيخا لثقافة الاعتراف، ودعما لمسارات التميز.
2- أريد هنا ابتداء أن أبسط بين يدي هذه المقالة أنني لا أريد مصادرة الحق القانوني للوزارة الوصية في تعيين أو إعفاء من يمثل مؤسساتها المركزية على المستويات المحلية أو الإقليمية أو الجهوية، فداك حق أصيل دون حتى بيان المبررات، لكننا كشركاء في تبني خيارات الإصلاح بكل خلفياتنا التي أسها مواطنتنا وانتماؤنا للإقليم والجهة، يلزمنا أن نصرح بما نراه من خلال المعايشة اليومية للتفاصيل، وهو الأمر الذي لا يتيسر للمصالح المركزية في كثير من الأحيان ويدفعها إلى اتخاذ قرارات تبدو لنا -من منطلق ما ذكرت- خاطئة وغير متوازنة، خصوصا حين يكون الإعفاء غير مسنود بوضوح مبرراته التي تؤهل كل متابع لقياس مدى صدقيته من عبثيته أو شططه.
3- لقد كنت في كثير من المرات أعتزم الكتابة في موضوع تميز الأستاذ “محمد البشير التوبالي”، على المستويين الإنساني والتدبيري وكان يمنعني من ذلك كون السيد “التوبالي” على رأس الشأن التربوي في مديرية العيون، وهي المديرية التي أمارس فيها مهامي مفتشا تربويا، أو فاعلا نقابيا، فكنت أتهيب أن يُحمل كلامي على محمل التسلق الذي يركب مركب المبالغة في الوصف أو الإفراط في المجاملة ولذلك كنت أُحجم عن الأمر.
أما وقد تداولت وسائل الإعلام اليوم خبر صدور قرار إعفاء الأستاذ “محمد البشير التوبالي” من مهامه على رأس المديرية الإقليمية للعيون لوزارة التربية الوطنية والتعليم الاولي والرياضة، فإنني أجدني في أريحية للكتابة في الموضوع وقد أعفيت أيضا من عنت التفكير في مآلات تأويل ما سأخطه بيميني، ومن الاستنتاجات السبقية لما سأعبر عنه من قناعات ومواقف.
4- أقولها ابتداء وبصراحة لا غبار عليها “إعفاء محمد البشير التبالي” خطأ جسيم في هذه المرحلة من زمن الإ’يرلان_ةجطصلاح، خصوصا وقد أبان بإجماع المتدخلين إقليميا عن علو كعب لا ينافس في أداء دوره وإنجاز المهام المنوطة به، كما أن ذلك خسارة أولا لوزارة فرطت ببساطة في طاقة محلية شابة معطاءة، كما أنه خسارة كبرى لمنظومةف التربية والتعليم بالعيون، خسارة للعيون كلها، يشاطرني الراي في ذلك السواد الأعظم من أهل العيون.
البشير التوبالي الظاهرة التدبيرية:
عينت في مديرية العيون أستاذا مدرسا قبل تولي السيد البشير التوبالي مهامه بسنوات جاوزت الخمسة عشر ثم مفتشا تربويا قبل تعيينه بسنتين، مما يعني أنني واكبت مع السيد التوبالي كل سنوات تدبيره للقطاع التعليمي على رأس الإقليم وهو ما يؤهلني لبسط استنتاج مفاده أن الأستاذ “محمد البشير التوبالي” ظاهرة تدبيرية بكل معاني الكلمة، واختصارا للكلام ومباشرة للبيان أعرض بعض ما أزعم أنه بيان لوجه هذه “الظاهرة التدبيرية”
1- تدبير العلاقات بين المرفق والمرتفق: إذا كان تدبير العلاقات يعني الحرص على حسن سير المرفق الإداري دون خلق الحزازات بين كل المرتفقين كانوا مدبرين أو مستفيدين، فإنني لا أبالغ إذا قلت إن هذا المعنى كان هو العمود الفقري لاشتغال السيد المدير الإقليمي للعيون “محمد البشير التوبالي” طيلة مدة تدبيره للمرفق الإقليمي للوزارة، ومن تم يمكن فهم ظاهرة غياب الصدامات بين المدير الإقليمي وكل من ينتج أو يستفيد من خدمات القطاع التربوي في الإقليم، الأمر الذي يؤكده التعبيرات عن الصدمة بقرار إنهاء المهام التي حفلت بها المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها المعبر غير المقيد عن الاتجاه الاجتماعي العام في تناول الظواهر، بل يؤكده أيضا التعليقات التي أرفقها جميع من نقل خبر الإعفاء من الصحفيين في وسائل الإعلام على حد متابعتي.
2- حسن التسيير الإداري: إذا كان حسن التسيير في مستويات تدبير الشأن العام تعني أن يصل المدبر مستوى من الرقي في تنسيق وظائف جهازه الإداري، هذا التنسيق الذي ينتج عنه جودة إنتاج مفاصل هذا الجهاز، فإنني من خلال متابعتي الشخصية للتسيير الإداري للسيد المدير الإقليمي لمديرية العيون السيد “محمد البشير التوبالي” أستطيع أن اجزم أن التنسيق بين مصالح المديرية الداخلية في ذاتها من جهة، أو بينها وبين باقي المصالح الخارجية من جهة ثانية قد أدت باتفاق المراقبين إلى جودة تنزيل مشاريع الإصلاح على المستوى الإقليمي باعتبارها أوراشا كبرى، وكذا إلى جودة التسيير اليومي باعتباره سيرورة العمل الإداري.
إن حالة السلم الذي يسود أداء كل المتدخلين الإقليميين لأدوارهم التربوية في حدودها، ثم في تكامل هذه الأدوار طيلة الست سنوات التي قضاها السيد “البشير التوبالي” على رأس المديرية لخير شاهد على هذا الذي نتحدث عنه.
3- الحرص على جودة العلاقات مع الشركاء: إذا كان تنسيق العلاقات بين المصالح وقبل ذلك بين المرفق والمرتفقين مساحة علا فيها نجم الأستاذ “محمد البشير التوبالي” فإن ذلك لم يكن أبدا أمرا عبثيا ولا هو ضرب من ضروب الصدفة، بل هو تعبير عن طبع اكتسب من مرجعية تربوية أسرية أصيلة، أو ملكة تشكلت من خلال جهد تدريبي حَمَل الأستاذ ” محمد البشير التوبالي” نفسه عليه حتى تأصل في سلوكه، أو هو ملكة لدنية ربانية وُهبها فصارت تَنْظم كل علاقاته، من خلالها استطاع أن يكسب كل الشركاء ويقنعهم بالانخراط في إنجاح الأنشطة التفصيلية للعمل التربوي، ومراكمة النجاح في تنزيل المشاريع الاستراتيجية للإصلاح على المستوى الإقليمي، وهو ما يفسره تناغم اشتغال الشركاء مع مصالح المديرية الإقليمية سواء كان الشركاء فاعلين نقابيين أو ممثلين عن آباء وأمهات التلاميذ… أو غير هؤلاء على كثرتهم وتعدد مستويات مساهمتهم في الحقل التربوي.
4- للتمثيل على استحقاق الأستاذ محمد البشير التوبالي صفة “الظاهرة” على المستويات التي فصلنا فيها القول سالفا أجد الأمثلة تتزاحم في ذهني، لكنني استدعي واحد منها للبيان مع بعض التفصيل فيه، حين كانت هيئة التفتيش تخوض معركة نضالية حامية الوطيس مع الإدارة الجهوية للتعليم على مراحل أخص بالذكر منها بين سنتي 2021، و2023 وثقت مساراها بيانات متتالية صدرت في حينها عن نقابة مفتشي التعليم على المستوى الجهوي، كان الأستاذ “محمد البشير التوبالي” مدبرا للشأن التربوي إقليميا في ذلك الوقت، بمعنى أنه كان جزء من الإدارة في مقابل هيئة تربوية مركزية هي هيئة التفتيش، فكان السيد المدير الإقليمي حريصا على جودة أداء المرفق التربوي لأدواره، في ذات الوقت الذي كان يحرص على تسييره وفق الأجندة التدبيرية المقيدة بالزمن من جهة وبجودة المخرجات من جهة أخرى، دون أن يلغي حق النقابة “الشريك المركزي” في أدائها لدورها النضالي الذي هو دور الدفع بالإنتاج التربوي نحو الجودة، في سبيل هذا الامر حرص السيد “البشير التوبالي” من منطلق المسؤولية والشرف والإحساس بالمواطنة على تحمل دور الوساطة بين النقابة والإدارة الجهوية، وهي الوساطات التي كنا نقدرها ومن رجل استثنائي نكن له كل التقدير شخصا ومسؤولا سواء كأفراد مفتشين في الجهة وفي مديرية العيون تحديدا، أو كهيئة نقابية لدينا مساحة العلاقة المشتركة مع المديرية الإقليمية، فكانت وساطة السيد المدير الإقليمي “محمد البشير التوبالي” تنزل عند عموم المناضلين منزلا معتبرا لما عهدنا فيه من التزام ومسؤولية وقبل ذلك من صدق الطوية ونقاء المقصد.
من أمثلة الوساطات بين هياكل النقابة التي كنت “كاتبها الجهوي” وبين إدارة الاكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، والتي لا أكاد أحصيها، تلك التي وصل فيها حوارنا مع الإدارة الجهوية للباب المسدود واتخذ المجلس الجهوي لنقابة مفتشي التعليم حينها قرار مقاطعة مهمة جهوية بتكليف وطني، بمجرد إعلاننا للقرار وتعميمه وجدت السيد “محمد البشير التوبالي” يسعى في جهد كبير للتواصل معنا وإقناعنا بالعدول عن هذا القرار لما سيترتب عنه من تعطيل لمهمة لها انعكاس على وضعية المتعلمين، ورغم اختلافنا في تقدير الامر إلا أن جلوسنا مع السيد التوبالي وتعهده أمام عدد من مسؤولي النقابة بتدليل العقبات الحائلة دون جودة التواصل مع الاكاديمية دفعنا إلى إعادة عرض مخرجات وساطته على المجلس الجهوي للنقابة الذي قرر تعطيل الخطوة النضالية إفساحا للمجال امام ما تعهد به رجل يحظى لدينا بالمكانة العالية السيد المدير الإقليمي للعيون، وهو ما عجل فعلا بنزع فتيل الاضطراب، في غضون مدة زمنية قياسية حصل ما تدخل السيد “محمد البشير التوبالي” لتحقيقه فكان محضر مشترك بين النقابة من جهة والأكاديمية من جهة أخرى…
لهذا الشاهد من الذاكرة كما لخصائص شخصية “محمد البشير التوبالي” مساحات كثيرة من التحليل والزيادة ليس أقلها مساحة الحديث عن “البشير التوبالي” الإنسان الذي كنت أزوره فألمس منه الشخص الإنساني الذي يعمل على السعي لحل مشاكل الناس كلما عبروا عن احتياجهم لتدخله، بل إنني وقفت على خروجه على عجل من مكتبه لحل مشكلة فرد واحد كان محتاجا إلى تدخله…
لو أطلقنا العنان للكتابة هنا لما وسعنا المجال، لكنني أختم بأمر يجمل شخصية “البشير التوبالي” الإنسانية من جهة والتدبيرية الراقية من جهة أخرى:
5- لقد حرص المدير الإقليمي “محمد البشير التوبالي” على دعم المبادرات الجادة الرامية إلى المساهمة في النهوض بالشأن التربوي والثقافي في الإقليم، حتى كان شعاره في دعم المبادرات قول الشاعر ،ما قال لا قط إلا في تشهده ***** لولا التشهد كانت لاؤه نعم.
وعلى كثرة شواهد الدعم هذه فإنني أحيل فقط على الدعم الكبير غير الخفي لإصدار مجلة تربوية محكمة يمتد إشعاعها إلى مساحة الوطن كاملا وهي مجلة “العيون التربوية” تلك المجلة التي لا تنحصر قيمتها في الدعم الثقافي في المنطقة، بل تمتد إلى المساهمة في تسليط الضوء على مفردات مشاريع الإصلاح من خلال الملفات التي تفتحها وآخرها الإعلان عن الاستكتاب للمؤتمر الوطني عن مشروع مدارس الريادة وآفاق مساهمتها الإصلاحية، صحيح أنه لا يسع أحدا الإنكار أن تمت أياد علنية بيضاء، وأياد بيضاء خفية تسهر على خروج هذه الإضافة الثقافية النوعية للوجود، لكن أيضا لا يسع أحدا الإنكار أن هذه الايادي البيضاء العلنية والخفية -التي سيتيسر الحديث عنها في القريب بحول الله- لم تكن لتصمد أمام تحديات الإصدار والاستمرار لولا ثقافة التيسير والمساندة لكل المبادرات الفعالة التي ضمنها السيد المدير الإقليمي “محمد البشير التوبالي”، ولعمري هذه هي الفعالية في التدبير والحكامة الجيدة التي يرجى منها البناء المستمر.
على سبيل الختام: لا أبالغ إذا صرحت هنا أنني كنت أمارس على قلمي مستوى عال من الرقابة وأنا أدبج هذه المقالة، ولولا ذلك لكان حجمها أضعاف ما خرجت عليه، لكن حسبي ما كتبت لأخلص إلى استنتاج أن الخصال التي عبرت عليها في الأسطر أعلاه الجامع بينها هو قاعدة مضمونها فعالية في تدبير المرفق وحكمة في نسج والحفاظ على العلاقات، وضع تحت هذه القاعدة ما شئت من التفاصيل، ويكفي لإغلاق المقال التذكير بكون آخر نشاط تدبيري قام به الأستاذ “محمد البشير التوبالي” -قبل أن يتلقى خبر إنهاء المهام مباشرة- هو اجتماع يسعى لراب صدع وجسر هوة بين مدبر من داخل المديرية وبين هيئة وازنة من هيئات تسيير الشأن التربوي خارج المديرية، فكانت مهمة الوساطة والتحكيم الإداريين في صلب ممارسته إلى آخر لحظة، خرج الجميع من الاجتماع المذكور وهم عازمون على التأليف والتجاوز، لأن الوسيط والحكم كان المدير الإقليمي “محمد البشير التوبالي”.
دكتور حسن تلموت
مفتش تربوي مديرية العيون
الكاتب الجهوي لنقابة مفتشي التعليم
جهة العيون الساقية الحمراء.

