الصحراء 24 : من إعداد / الدكتور الكيرع المهدي
بمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي حول المناخ COP22 ، وقرب الإعلان عن افتتاح المحطة الحرارية بالعيون.
التلوث بوجه عام – هو ” إدخال الإنسان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لمواد أو طاقة في داخل البيئة يمكنها أن تتسبب ضررا أو تعرض صحة الإنسان للخطر وتلحق ضررا بالمصادر الحيوية والأنظمة البيئية أو تشكل اعتداء على مناهج الحياة أو تعوق الاستخدامات الأخرى المشروعة للبيئة على نحو أفضل “.وعرفه البعض بأنه ” كل تغيير في الصفات الطبيعية للماء أو الهواء أو التربة، بحيث تصبح غير مناسبة للاستعمالات المقصودة منها ، وذلك من خلال إضافة مواد غريبة أو زيادة في كميات بعض المواد الموجودة في هذه الأوساط تحت الظروف الطبيعية ، كما عرفه البعض بأنه ” التغيير الذي يحدث في الوسط الطبيعي الناشئ عن فعل الإنسان على نحو يحمل معه نتائج ضارة بكل كائن حي ” .
ويعرف “قاموس وبستر” التلوث بأنه ” حالة من عدم النقاء أو عدم النظافة أو كل عملية تنتج مثل هذه الحالة.”
وبالنظر إلى التعريفات التي قدمت للتلوث، نجد أنها تميل إلى التعميم والشمول باستخدام لفظ “كل” الذي يفيد العموم والشمول .وبناء عليه فان التلوث يشمل كل ما يؤثر في جميع عناصر البيئة، بما فيها من نبات وحيوان وإنسان ، وكذلك كل ما يؤثر في تركيب العناصر الطبيعية غير الحية كالهواء والتربة والبحيرات والبحار .
وبعبارة بسيطة فان التلوث يوجد عندما توجد أي مادة أو طاقة في غير مكانها وزمانها وكميتها المناسبة ، والتلوث إما أن يكون طبيعيا ، ينشا بفعل العوامل الطبيعية كالزلازل والبراكين والفيضانات ، وإما أن يكون بشريا يرجع إلى فعل الإنسان ويحدث خللا في توازن البيئة بسبب إهماله وعدم اكتراثه .
إن تلوث البيئة لا ينتج من التقدم التقني وزيادة الصناعات وتنوعها والاستغلال العلمي والرشيد للموارد البيئة ، وإنما من الطريقة والأسلوب اللذين يترتب عليهما التخلص من مخلفات الصناعة ونواتج الاحتراق ، هذا إن تمت العملية بنجاح ، كما ينتج التلوث من الإدمان في استغلال الموارد الطبيعية بطريقة شرهة دون مراعاة مخلفات هذا الفعل أللا بيئي المخل بصميم التوازن البيئي واحتياجات الكائنات الحية.
ونأخذ كمثال للتلوث ، التلوث الهوائي ، فالهواء يعتبر ملوثا حال ” وجود أي مواد صلبة أو سائلة أو غازية في الهواء بكميات تؤدي الى أضرار فيزيولوجية او اقتصادية وحيوية بالإنسان والحيوان والنبات أو بقاء المكونات البيئية الغير حية وعدم القدرة على التمتع بالحياة او الملكية الطبيعية .وتؤثر الغازات والشوائب التي تتصاعد في الهواء ، الناجمة عن عمليات التصنيع واحتراق الوقود ، وعلى الخصوص النشاطات الصناعية التي يصدر عنها القدر الأكبر من العناصر الملوثة للهواء كتكرير البترول وصناعة الحديد والصلب وصناعة الاسمنت والصناعات الكيمائية وحرق الوقود ( الفحم والبترول).
الكثير من الأخطار البيئية تنتج بفعل الملوثات الهوائية ، والتي نميز فيها بين المصدر الطبيعي كالبراكين ، وتحلل المواد العضوية والتفاعلات البكتيرية ، التي بالرغم من حجم الانبعاثات الناجمة عنها إلا أن هذه الملوثات تدخل إلى الجو بمعدل ضئيل ، ووقتا كافيا للانتشار على مساحات شاسعة ليكون لها توزيع متساو ، مما يؤدي إلى التخفيف من تركيزها ومنه إلى اختزال أخطارها وانعكاساتها البيئية .
وعلى خلاف ذلك ، فان المصدر الصناعي الناجم عن نشاطات الإنسان المختلفة تكون ملوثاته أكثر كثافة وحدة وخطورة لانبعاثها بكميات متزايدة في فترات وجيزة وفي حيز مكاني محدود ، مما يؤدي إلى زيادة تركيزها وتضاعف أخطارها على الكائنات الحية في محيط النشاط مما يؤثر على تركيبات المكونات الهوائية الغازية النشطة كيميائيا ، كالتلوث بغاز أول وثاني أكسيد الكربونCO1.CO2) ،( والتلوث بثاني اكسيد الكبريت .
فغاز أول وثان أكسيد الكربون، هو غاز عديم اللون ، يتكون نتيجة احتراق غير كامل للوقود من المصانع والأفران ووسائل المواصلات..، وترتبط نسبة ثان أكسيد الكربون في الجو كذلك بعوامل أخرى من أبرزها تقلص المساحات الخضراء وبشكل رئيسي قطع أشجار الغابات للاستخدامات الصناعية المختلفة، وبسبب زحف المدنية وانتشاء الطرق…
هذا الغاز شديد التأثير في الإنسان والحيوان لطبيعة تركيبته المعقدة وطبيعته الصلبة، وترجع كثافة تواجد ثان أكسيد الكربون إلى تضاعف حرق الوقود السائل ( البترول ) والغاز الطبيعي لمحطات توليد الطاقة الحرارية والمصانع المختلفة والمخلفات الناتجة عن تسيير المركبات ووسائل النقل البري والبحري ، كما يتولد من الاحتراق الكامل للوقود في وجود وفرة من الهواء.
وهذا الغاز هو المتسبب الرئيسي في الامتصاص الحراري لامتصاصه أشعة الشمس تحت الحمراء ويحتفظ بها جو الأرض ، كما ان زيادة معدلات انبعاثه في الجو تؤدي إلى تغير المناخ في العالم ، مما يؤدي الى ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي ، فينتج منه الانصهار الجليدي للقطبين المتجمدين الشمالي والجنوبي، فمن أهم مؤثرات تمدد او تقلص هذه الأغطية الجليدية بسبب ارتفاع مستوى البحر ، مما سبب في خسارة للجليد والتي من شانها ان تتسبب في العديد من المشاكل من قبيل: تحفيزها للتعرية او الترسب وتغير في العمليات المائية ، بالإضافة إلى تحريرها لنسبة اكبر من غاز ثان أكسيد الكربون والميتان المحتجزان في الطبقات المتجمدة كمواد عضوية وبالتالي انطلاقها الى الغلاف الجوي .
كما ان التغيرات المناخية في الجليد ، سوف تقلل من ثبات المنحدرات وبالتالي ستزيد من حدوث الانهيارات الثلجية ، كما أن نشاط الغطاء الجليدي سوف يزيد من الإخطار التي تواجه الناس والأبنية وخطوط الاتصالات والمواصلات ، مثل خطوط أنابيب النفط ووصلات الاتصال…، كما يؤدي ارتفاع درجة الحرارة الى زيادة معدلات تبخر المياه الصالحة للشرب والري.
مما لاشك فيه ان المطالبة بهواء جوي نظيف مطلب ضروري وعادل لجميع الكائنات الحية، ويمكن مكافحة التلوث الذي يصيب الهواء، والحد منه باستخدام الأساليب والتقنيات الحديثة ومنها :
*-التوسع في استخدام مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، مثل الطاقة الشمسية والطاقة الكهربائية في جميع نواحي الحياة بدلا من مصادر الطاقة التقليدية مثل الفحم والبترول..
*- محاولة تحسين نوعية الوقود المستخدم في السيارات (البنزين) عن طريق التخفيف من مركبات الرصاص ومادة الكبريت التي يتم إضافتها إلى البنزين لتحسين أدائه وتقليل الخلط في أثناء احتراقه.
*- تعميم الغاز الطبيعي كوقود للسيارات والشاحنات والمصانع… لما له من اثأر تلويثية تكاد تكون منعدمة عند استخدامه .
*- إلزام المصانع بضرورة تركيب معدات خاصة مصممة للحد من كمية الملوثات المنبعثة منها ، من خلال معالجة الملوثات الناتجة من الصناعات المختلفة قبل انبعاثها وتحويلها إلى صور غير ضارة بالبيئة.
*- ضرورة سن التشريعات والقوانين الخاصة بتحديد التراكيز القصوى للملوثات المسموح بوجودها في الهواء ، سواء كان هواء المدن أو هواء المناطق الصناعية.
*- التخطيط العمراني السليم للمجتمعات الصناعية وموقعها من التجمعات السكنية، حتى لا تتأثر المجتمعات السكانية بالتلوث الناتج من المصانع المختلفة والتشديد على احترام القيود ونظم الإدارة البيئية المتكاملة.
الدكتور الكيرع المهدي باحث في علم السياسة والقانون الدستوري

