الصحراء 24 :الملاحظ الصحراوي
تعرف منطقة الصّحراء، صراع منذ ما يزيد عن أربعين سنة، بين كل من المغرب والبوليساريو، وقد عرف هذا الصراع فترات تجاذب بين التصعيد والهدنة، بارتباط دائم مع الحالة السياسية والاقتصادية للمجتمع الدولي، والتغيرات المتلاحقة لموازين القوى، ومدى استجابة هؤلاء الفاعلين لمطالب هذا الطرف أو ذاك، دون أن يؤدي كل ذلك إلى حلحلة هذا الملف الشائك ومحاولة البحث عن حل يرضي الطرفين.
من هنا جاءت أهمية المنطقة المتنازع عليها بين المغرب وجبهة البوليساريو، وسنحاول هنا استعراض الأهمية الاستراتيجية للإقليم المتنازع عليه، والإمكانيات التي تشير العديد من الدراسات عن تواجدها والتي تُساهم إلى حد كبير في تعقيد المشكل وجمود مسار البحث عن الحلول.
الأهمية الاستراتيجية للإقليم
تلعب المساحة دورا حيويا في كل دولة، وتتمثل أهمية المساحة في إعطاء الفرصة لتنوع الموارد الاقتصادية وتباينها، فهناك دول مترامية المساحة كروسيا الاتحادية والبرازيل، ودول صغيرة المساحة كالبحرين و بلجيكا، وتظهر أهمية المساحة مثلا في الحروب، فالدولة ذات المساحة الصغيرة لا تلبث أن تسلم أمام جحافل الجيوش الغازية، كما حدث في الحرب العالمية الثانية، فقد سلمت كل من بلجيكا، وهولندا ودول أخرى، أمام القوات الألمانية في أيام قليلة، بينما لم تستطع هذه الجيوش السيطرة على روسيا ومن قبلها جيوش نابليون نظرا لكبر المساحة وامتدادها.
كما أن الموقع الجغرافي يلعب دورا مهما، حيث نجد دولا تحتل موقعا متميزا، بينما تقع دول أخرى في مناطق معزولة أو حبيسة. والموقع بالنسبة للبحار وطول السواحل البحرية، يعطي، امكانيات كبيرة للدولة، سواء في المجال الاقتصادي والسياسي، وتزيد من مواردها الحيوية.
وتفترض التحليلات، أن اتساع المساحة، يعني قدرة الدولة على استيعاب أعداد أكبر من السكان، مع تزايد احتمالات وجود الثروات الطبيعية، التي تمثل الأساس المادي للنمو الاقتصادي والتبادل التجاري في إطار الاقتصاد الدولي.
الثروة المعدنية
الفوسفاط
أدى اكتشاف أكبر منجم منفرد للفوسفات في العالم سنة 1947 في منطقة بوكراع إلى احتدام الصراع على السيادة في الصحراء بين كل القوى ذات العلاقة بالمنطقة كإسبانيا والمغرب وموريتانيا، وعلى الرغم من أن المصادر المغربية تقدر إحتياطي منطقة بوكراع بحوالي ملياري طن فإن مصادر أخرى ترى أن هذا الاحتياطي يصل إلى عشر مليارات طن ويشكل 28,5% من الاحتياطي العالمي من هذه المادة الحيوية، وتمتد مناجمه على مساحة تقدر ب 800 كلم مربع وتتراوح نسبة نقاوته بين 72 و 75%، كم تصل نسبة تواجد اليورانيوم إلى 200 غرام في الطن الواحد.
النفط والغاز
تشير بعض الدراسات إلى وجود مخزون هام من النفط والغاز في سواحل الصحراء، لكن جهود التنقيب لم تظهر حتى الآن نتائج إيجابية، ووقع المغرب عدة اتفاقيات للتنقيب، الأمر الذي قوبل باعتراض من طرف جبهة البوليساريو، مما دفع المغرب إلى طلب المشورة القانونية من الأمم المتحدة، والتي أصدرت رأيا يقضي بإمكانية ذلك دون الانتقال إلى الاستغلال تجاريا إلا بعد موافقة السكان المحليين، كما احتجت الحكومة المغربية على منح إسبانيا تراخيص لشركات التنقيب عن النفط في المياه الإقليمية بين جزر الكناري والصحراء، نشب من خلاله خلاف بين الطرفين حول حدود المياه الإقليمية.
معادن أخرى
يكشف مشروع “جيوفورما” الذي تم تمويله في إطار برنامج الاتحاد الأوربي للتعاون المالي والاقتصادي والتقني بين الاتحاد الأوربي وجيرانه ضمن الفضاء المتوسطي المعروف اختصارا باسم “ميدا” وقد خصص لهذا المشروع غلاف مالي قدره 7,3 مليون أورو تحت عنوان “ترقية وتطوير البرنامج المغربي للخرائط الجيولوجية”، وتم تشكيل تجمع ضم كل من هيئة المساحة الجيولوجية الفرنسية وشركة “إبتيسا” الإسبانية بالإضافة إلى مجموعة “سكوت فرانس” للإشراف التقني على هذا المشروع وتبادل المعلومات التقنية مع الهيئات المغربية.
في مطلع سنة 2005 منح المركز الجهوي للاستثمار “لجهة كلميم السمارة” آنذاك، حوالي ثلاثين رخصة استكشاف وتتقيب عن المعادن في الأراضي الصحراوية، هذه الرخص جاءت بعدما دلت نتائج الاستكشافات الأولية على وجود معطيات مشجعة، حيث يرتكز النشاط الاستكشافي في هذه المنطقة على الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص، فضلا عن مقالع الرخام ذي الجودة العالية.
وتشمل مناطق الاستكشاف في الصحراء إمكانيات ونتائج واعدة جيولوجيا، تعود لأزمنة ما قبل الكمبري، وتعتبر المناطق المشابهة لها جيولوجيا وتركيبيا أقاليم معدنية غنية، كما هو الحال في جنوب القارة الإفريقية، وجنوبها الشرقي تحديدا، كما أن النتائج المحصل عليها في المناطق المجاورة، والمشتركة معها في نفس التراكيب الجيولوجية، مشجعة جدا.
في أواسط صيف 2011 كشفت شركة “ميتاليكس” الكندية، عن انتهاء عملية مسح جوي بلغ طولها حوالي 85.000 كيلومتر، مستعملة أجهزة المسح المغناطيسي والمسح الإشعاعي، تم اختيارها ضمن منطقة تيرس الصحراوية التي تتركز فيها صخور نارية متحولة تعود الى الزمن الآركي، وتعتبر الصخور المشابهة لها جيولوجيا وزمنيا هي التي تحتوي على أكبر مناجم الذهب في العالم كما هو الحال في كندا وأستراليا وروسيا.
كما أن المؤشرات الهامة المكتشفة من الذهب، خاصة في قطاع ” تشلة” دفعت مجلة ” افريكا انتيليجنس” إلى الحديث عن إكتشاف توأم منجم “تازيازت” الواقع على بعد 100 كلم في الأراضي الموريتانية.
الثروة السمكية
تتمتع الأقاليم الصحراوية، بواحد من أغنى السواحل بالثروة السمكية، إذ يعتبر الساحل الصحراوي أهم وأغنى حوض سمكي في إفريقيا، تقدر مساحته ب 150 ألف كيلومتر مربع وتؤهله الظروف المناخية والبيئية لبلوغ قدرة إنتاجية سنوية تفوق ال 10 أطنان في الكيلومتر المربع الواحد.
وإمكانية صيد لا تقل عن 2 مليون طن في السنة، وتضم هذه المياه أكثر من 200 نوع من الأسماك المختلفة و 71 صنف من الرخويات و 14 نوع من رأسيات الأرجل، بالإضافة الى الجراد والجمبري والقشريات البحرية، فضلا عن أصناف مختلفة من أنواع نادرة من الأسماك، وهو ما يجعل هذه المياه مصدر دخل هام في تنمية هذا القطاع وتمويل مشاريع تساهم في تطوير الاقتصاد الوطني ومصدر هام للعملة الصعبة.
الاحتياطات المائية
وفيما يخص الثروة المائية، كشفت المسوح الجيولوجية التي أجريت على بعض المناطق في الجنوب، عن وجود حوض هائل الضخامة من المياه الجوفية، يزيد طوله عن 500 كلم يمتد من رأس بوجدور في الشمال حتى “إمليلي” بالقرب من الداخلة.
الطاقات المتجددة
كما أثبتت الدراسات أن منطقة الصحراء، تتوفر على مصادر هامة من الطاقة المتجددة من الشمس والرياح والماء “مد وجزر”.
حيث أكدت البحوث أن الطاقة الملتقطة من الشمس تتراوح من 210 إلى 250 وات على المتر المربع الواحد في اليوم، وهي كمية كافية لتوظيف هذا المورد في إنتاج طاقة كهربائية.
أما فيما يتعلق بالطاقة المستمدة من الرياح فإن حظوظها أكبر بحيث أن الشواطئ الصحراوية تقع في تيار “الآزور”، الذي تهب منه رياح تتراوح سرعتها ما بين 3,6 إلى 11 متر في الثانية، مع العلم أن المعدل المطلوب لتحريك الآلات الخاصة بتوليد الطاقة الكهربائية من هذا المورد يجب ألا يقل عن 3 متر في الثانية.
السياحة
تتمتع المنطقة بإمكانيات مهمة في المجال السياحي، نظرا لامتداد الشواطئ على طول الساحل الأطلسي، وامتزاج الكثبان الرملية مع وجود رياح دائمة يعطي الفرصة الكبيرة لممارسة الرياضات البحرية بمختلف أنواعها، زد على ذلك تواجد محميات طبيعية للطيور البحرية المهاجرة.
إن استعراضنا السريع للإمكانيات والمؤهلات الطبيعية التي تتوفر عليها المنطقة، نهدف من ورائها إلى محاولة توضيح فرص التنمية الضائعة التي تعاني منها المنطقة في ظل عدم الاستثمار المعقلن خصوصا في مجال البنيات التحتية الأساسية من طرق سريعة، ومطارات دوليّة، وموانئ مجهزة، بالمقابل يغلب على المنطقة اقتصاد الريع دون إمكانية تنمية محلية حقيقية زد على ذلك الإهمال الكبير الذي تعاني منه الموارد البشرية، فغياب المعاهد العليا والكليات المتخصصة، يجعل من مجال التنمية الحلقة الأضعف في مسلسل الاستثمارات المزمعة، وبالنسبة للنمو الاقتصادي المتوقع في المنطقة، فيبدو أن المستفيد الأكبر منه هو فئات غنية وبيروقراطية تزيد ثرواتها بطرق مشروعة وغير مشروعة، خصوصا عبر التهرب الضريبي أو المضاربات في مجالات يكون فيها هامش الربح كبير ومضمون كقطاع العقار مثلا.
إن انعدام الشفافية في مجال الاستثمار، وكذلك غياب المحاسبة على الاختلالات في الميزانيات المرصودة للتنمية، يعطي لدى المواطن شعورا بتواجد تواطؤات على طول هرم السلطة، ويضعف بالتالي خيط الثقة الرفيع الباقي بين المواطن الصحراوي والدولة المغربية، ويجعل السؤال المطروح، أين الثروة؟ بلا جواب.

