الصحراء 24 : بقلم محمد الفيرس
تداول رواد مواقع التواصل الإجتماعي –بشكل واسع – صور أو فيديو قصير يظهر كلب من نوع البيتبول وهو يتجول بحرية في الدرجة الأولى في طائرة تابعة للخطوط الملكية المغربية متوجهة إلى الولايات المتحدة الأمريكية . وإعتقد كثيرون بأن يكون مالكه من شخصية قريبة للمحيط الملكي لكن تبين بعد ذلك بأن صاحبة الكلب “بنت الفشوش” زوجة ملياردير مغربي ( محمد الكتاني الرئيس المدير العام لمجموعة التجاري وفا بنك) ، أعجبتها ثروة زوجها و كثرة أمواله التي تنوء بها العصبة من الرجال الأشداء …
و كنت أعتقد بدوري في البداية بأن هذه الحملة الشرسة لرواد مواقع التواصل و إدانتهم الشديدة لهذا التصرف ربما نابعة من حقد طبقي و حسد الكثيرين على ما تتنعم به السيدة الكريمة من ترف و ما ترفل فيه من نعم، و لربما إمتد الحسد للكلب بحد ذاته و الذي يركب الطائرة في الدرجة الأولى نحو وجهة لا تتأتى للعديد من المغاربة طوال حياتهم في الدرجة الإقتصادية – بله الدرجة الأولى .
التفاعل الكبير مع محتوى الفيديو بين رواد الشبكة العنكبوتية و تعليقاتهم والتي عبرت عن سخط و تذمر المغاربة من مثل هذه التصرفات و التي تنم عن حجم الفوارق الإجتماعية داخل المملكة وتسلط الطبقة المخملية المحمية ، -هذا التفاعل- إتخذ طابع الإحتجاج “الناعم” ضد ممارسات لا تليق ببلد يسير في طريق النمو ويجاهد من أجل تقليص الفوارق بين الطبقات الإجتماعية و تعميق المسار الحقوقي لينفتح على أبعاد و مجالات أشمل كالحقوق الثقافية والإقتصادية وغيرها . و جاءت الإستجابة بشكل مفاجئ سريعة جدا من قبل أعلى سلطة في البلاد والذي أعفى السيد إدريس بنهيمة من مهامه بسبب التسيب و الفوضى التي يعيشها القطاع خلال مدة ليست بالقليلة .
هذا الرد السريع على غضب الكثيرين من المغاربة عبر الفضاء الإلكتروني إستحسنته الغالبية لكن كان للبعض الآخر رأي مخالف يكشف الأبعاد والدوافع الحقيقية لإبعاد و إعفاء مسؤول كبير ينتمي للمجتمع المخملي ذاته الذي تنتسب إليه صاحبة “البيتبول ” . و أثناء قراءتي للخبر ببعض المواقع الإلكترونية المغربية لاحظت كثرة التعليقات و آثرت أن أورد ما جاء في إحداها :
” دائما الحكومة تستحمر الشعب،بنهيمة كان مديرا عاما للارامRAM وعوض محاسبته على الملايير التي اختلسها لأن صندوق الشركة مقبل على الإفلاس يفبركون قصة كلب بيتبول لكي يفلت من المحاسبة والعقاب ،المسكين ولد الشعب إذا سرق بيضة يحكم عليه ب 5سنوات سجنا نافذا “.
المغرب إذن يدخل مجموعة الدول التي تتأثر بموجة الاحتجاجات الناعمة و التي تحدث تغييرات عميقة تتسبب أحيانا في إطاحة مسؤول كبير أو تبني سياسة جديدة في بعض القطاعات الحيوية . بيد أن الأمر لا يمكن فهمه بتلك السهولة و ليس ذلك إلا جزءا بسيطا من جبل الجليد المخفي .
هذا التجاوب السريع مع مجموعة الساخطين على تصرف المرأة المخملية هو مجرد تنفيس مؤقت للأزمة الإجتماعية العميقة بالمغرب خصوصا بعد التدخل الـأمني العنيف ضد الأساتذة المتدربين ، والذي حدث مؤخرا بانزكان،و كذلك تبني الحكومة لسياسة إجتماعية خنقت المواطن و أرهقت قدرته المالية ( رفع أسعار بعض المواد الضرورية و فواتير الماء والكهرباء …..و اللائحة لم تقفل بعد) .
كيف يتم إعفاء مدير الخطوط الملكية المغربية والذي جلس على مقعده الوثير لمدة عشر سنوات عرفت فيها الشركة إختلالات و مشاكل كادت تعصف بها لولا تدخل الدولة لإحتواء الأزمة ، بمجرد تعبير المغاربة عن تذمرهم عبر مواقع التواصل الإجتماعي فيما تم التعامل بطريقة عنيفة مع إحتجاج الاساتذة المتدربين الرافضين لمرسومين يشكلان تهديدا لمستقبلهم المهني …. خرج الاساتذة المتدربون بالمئات للتعبير عن سخطهم و جوبهوا بقوات أمنية تدخلت بعنف لفض الإعتصام متسببة في جرح العشرات بل المئات ؟؟ . و من تداعيات هذا الحادث شلل بمراكز تكوين الأساتذة بكل أنحاء المملكة و حديث يروج حول سنة بيضاء بسبب إستمرار مقاطعة المتدربين لحجرات الدراسة .
مظاهرات بالجملة ذات طابع إجتماعي في المغرب تجابه بالعصي والهراوات فيما تلقى الإحجتاجات “الناعمة” تجاوبا غير مسبوق في تاريخ المغرب المعاصر: بمعنى أن من يحتجون في العالم الواقعي بالشوارع و الميادين العمومية يمنعون بحجة حفظ الأمن والقانون أما المحتجون الساخطون على صفحات الفيسبوك والتويتر فلهم الحرية في أن يعبروا عن آرائهم و مواقفهم بل هناك من ينصت لأصواتهم و يتفاعل مع مطالبهم .
السؤال الذي يطرح نفسه هو هل دخل المغرب عصر الإحتجاج الرقمي بعد أن مل و سئم المتظاهرون بالعالم الواقعي من عدم الإستجابة لمطالبهم و قسوة العنف الممارس عليهم ؟، و ما هي تداعيات الوعي الرقمي للمغاربة في المراحل المقبلة ؟.
لعنة الربيع العربي لازالت تطوف أرجاء العالم العربي لتسكن جسما جديدا كان عصيا من قبل أو لم تدخله بعد .

