بقلم: محمد الاغظف بوية كاتب وباحث من المغرب
زار ّروس” الصحراء المتنازع عليها بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو .وكل طرف يدافع عن أحقيته في الإقليم ،وكان المغرب قد نظم مسيرة خضراء في عهد الحسن الثاني احد أقوى الشخصيات الإسلامية الحاكمة التي عرفها التاريخ الاسلامى المعاصر .مسيرة شارك فيها الآلاف من المواطنين من شمال المملكة وجنوبها ووسطها وانا أتذكر وصول الشاحنات إلى ضاحيتنا .والأمر فعلا كان مشهدا عظيما فقد تغير كل شئ .منذ ذلك الوقت استبدلت حلة المدينة واستطاعت الصمود لسنوات قبل أن تتوجه سياسة المخزن نحو البوادي والصحارى فأمست “العيون ” قبلة للاستثمارات ولأموال الوطن لتشجيع الساكنة وكذا الأرض وتحرر من نير التخلف.وفعلا لا احد يشكك فيما بنته الإرادة المغربية التي جعلت الصحراء في فترة زمنية محددة جنة ورفعت العيون إلى مثيلاتها في الشمال .لكن بالمقابل لم تستفد الإدارة المحلية من سياسات الحكامة الجيدة والشفافية والوضوح وترشيد النفقات بل تركت نوعا من اللبس وعدم الوضوح في تعاطيها مع الملفات الاقتصادية ،إذ أن تشجيع العطايا والمنح والإبقاء مع التزكية للمنظومة الاقتصادية التقليدية التي تعتمد على الريع أدى إلى نتائج وخيمة مما أوجب إعادة النظر في السياسة الاقتصادية مع العمل على تفادى أخطاء المراحل السابقة .يقوى هذا التنبيه ما شهدته قضية الصحراء من تفاعلات حركت المسكوت عنه وفضحت سلوكيات اقتصادية مشينة متذمرة من سطوة الريع وكذا تحكم رجال القبائل في المجال السياسي الذي أصبح حكرا على نخبة تقليدية غير منتظمة الولاء بسبب عدم قدرتها على السيطرة على مجالها العائلي الضيق فكيف بمجال أوسع كالقبيلة وقد أدى ضعف دور أجهزة “المشيخة “إلى بروز مايشبه شباب شيوخ همهم الوحيد جمع مايمكن جمعه من المال والمتاع أسوة بسابقيهم دون امتلاك ادنى شرط للمشيخة والتي اعتقد أنها قدانتهت تماما
كان على الإدارة المحلية الابتعاد عن إنشاء خليط من الولاءات المعقدة والانتباه لفكرة الانفتاح مباشرة على المواطن والدخول معه في نقاش بناء يؤخذ فيه بعين الاعتبار متطلباته بعيدا عن وساطات اظهر التاريخ والواقع فشلها الذر يع. ومن العبث اختيار المنتخبين كوسطاء لان المتتبع للشأن الصحراوي يدرك واقع الحال إذ أن أغلبية المنتخبين لايهتمون إلا بأمورهم الشخصية ،وفي أفضل الأحوال التفنن في تشجيع هيئاتهم الحزبية لآخذ موقع لها في الساحة السياسية علما أن العارف بخبايا المدن الصحراوية سيستغرب للغياب الكبير للاحزاب الوطنية فلا تأطير ولا مساهمة في صناعة الرأى المحلى. بل ان حضورها موسمي وعادة ما يتم جمع مواطنين لاستقبال زعيم حزبي وينتهي اللقاء بكؤوس الشاي والحلوى والخطابات الملتهبة الحماسية التى لا تترك اثرا الا ماتركته الحلوى والشاي من اثر.
اما جمعيات المجتمع “المدنى” فهى اقرب لجمعيات السهول والاودية والجبال .ومادامت تضاريس الصحراء لاتعرف تنوعا تضاريسيا فان هذه الجمعيات يستحسن وصفها بجمعيات “الزون”و “الكارطيات”وقد بلغ عددها عشرات المئات وقليلة هى الجمعيات التى تصبو لنفع عام بعيدا عن سياسة “الحلب”
و”للحالب “هنا استراتيجيته فالفاعل الجمعوى والناشط الحقوقى ـ طبعا هناك استثناءات ـ يتسابقون لنيل إكرامية الإدارة المحلية .ولا احد يفكر في الوطن او يهتم بحقوق الإنسان إلا والعطية والمنحة تظل تحت أنظاره.فالسباق نحو “الحلب” ممتع وجميل لانك ترى الناس حفاة عراة يصطادون “المال”بأقصر الطرق واكثرها عبثية وتخلفا .نعم هنا الاستثناء هنا من يدافع عن رؤيته وتصوره الوطنى بدون تردد ولا ينتظر مالا ولا شكورا .
يطلب من الادارة المحلية القطيعة مع سياسات الماضى ،والتصالح مع المواطن لدرء المفسدة واعادة الامور الى حالتها الطبيعية بانتهاج سياسة حكيمة تنفرد عن سابقاتها باعلاء قيم الحوار المباشر والانفتاح على القوى الحقيقية .

