بقلم : محمد سالم الزاوي
ونحن على أعتاب سنة جديدة تمر مرور الكرام بأفراحها وأتراحها أجدني محاربا من واقعي الإقتصادي والإجتماعي والسياسي لا لشئ سوى لأني أحمل جرعة زائدة من الغيرة على هوية لا تزال جرباء وكنية جرذاء لم تعد تغني وتسمن من جوع . فلقد عشت طيلة سنين عمري الخالية على ضفاف الوادي الذهبي وعلى شبه الجزيرة الأطلسية باحثا عن هوية تارة أراها بين تجاذب الأيادي وتارة أخرى لا تتبدى لي في هذا الحيز الزمكاني ، فحتى هذه المدينة التي ظلت منذ نهاية العقد السابع من القرن الفائت تبيض ذهبا في إقتصاد المملكة متمثلا بالصيد والسياحة والفلاحة والدولار واليورو والملايير والبلايين تصب صب الصنبور من هذا المنبع على رؤوس مصاصي الدماء الذين أرسلوا شافطاتهم من الرباط والدار البيضاء واكادير وآسفي وغيرها لشفط كل ما يمكن شفطه مع الحرص على وضع كاتم الصوت وساتر الرصيد ، لازال أهلها وأبناء تاريخها (الهنود السمر ) مكس عصا التجويع والتفقير والترهيب وجعلهم أسفل السافلين بين المرتزقة بسحنتها ودراعتها وملحفتها والمرتزقة بتاريخها وجغرافيتها. ولقد رأينا كيف أن للجهوية تطبيقات في غالب ربوع بلادنا السعيدة إلا في هذه الجهة التي لازالت محكومة من القادمين والساعين من الشمال والشرق والجنوب وتركت مناصب المكاتب الإدارية العمومية وحقائب السلالم الوظيفية المحتقرة لكمشة الصحراويين في إقصاء واضح وتنفير مقصود وتمييز عنصري فاضح لتدبير الشأن المحلي عن كل عرق تأصل جلده تحت شمس الوادي الحارقة فباتت المدينة مرتع للطامعين والناهبين والحالمين (بهمزات ) المستثمرين ورجال الأعمال وسماسرة العقار حتى لم يبقى من البقع التي لم تدخل مزادات السلطة المسيرة بالجهة غير تلك المتواجدة في قاع المحيط ولا أرى أنها ستسلم في الأفق القريب . في حين إستحكم القوم تحصين مقر الولاية بجيوش المردة المخزنية وأفراد الشرطة رغم أن الولاية تعد في عرف القانون مؤسسة عمومية إلا أنها لا تولج إلا بموافقة أصحاب السمو والسعادة المنزوين في غرفهم المكيفة في وقت ينتظر المواطن المغلوب على أمره ضوئهم الأخضر تحت لهيب الطقس الحارق أما سيادة الوالي فلا يجده إلا السابقون الأولون من مصاصي الدماء و ( الصالحون ) من أصحاب الوساطة و “أباك صاحبي” ومسؤولي الغفلة الإنتخابية وما عدا ذلك فليس في عرف والينا أدامه الله ! مساحة من الوقت للأوباش وحثالة المجتمع !
فأن أن تكون صحراوي كما هناك دكالي وعبدي وريفي ورباطي …. فأنت من المغضوب عليهم لأنك تقترب من الأماكن الحساسة في الفكر المخزني الذي لا يرضى الا على من يطلق العنان للسانه بتصاريح يؤكد فيها انتمائه الى الكل وتلك قسمة ضيزى ،فعلى ما يبدو منذ أحداث الفتنة العرقية التي عرفتها المدينة الهادئة وما أعقبها من تصريحات للسيد الوالي صبت في إتهام الصحراويين بإفتعالها ونحن نكتوي بنار الإبعاد والمماطلة والتسويف وأجترار الحلول للمطالب المعيشية للفئات الصحراوية المهمشة من طلبة ومتزوجين ومظلومين وشباب عاطل يشتغل في ملازمة المقاهي والأرصفة. رغم أن حبل التوظيفات المشبوهة لازال على جراره وهبات البقع والبطائق الإنعاشية لا زالت في قطب رحاها تدور والمستفيد دائما أجنبي جاء بإيعاز من مصاصي الثروات من خارج حدود الجهة أو من داخلها الذين باتت رائحة السردين تفضحه فأراد أن يبدو بعدة وجوه للتمويه
لقد باتت الهوية الصحراوية لأبناء الجهة عقدة تؤرق البعض وسببا رئيسا في مسلسل التفقير الدائم وهذا مرتبط في نظري بسببين رئيسيين لا أرى لهما ثالث في المنظور العام :
1_ هو أن السياسة العامة التي أعقبت صعود التيار الإسلامي متمثلا في حزب العدالة والتنمية صبت نحو الإقصاء الممنهج للصحراويين من المناصب السيادية والوزارية في الحكومة الملتحية. وقياسا على ذلك لا أستبعد أن تكون هذه سياسة مفروضة من الإدارة المركزية تعتمد إقصاء أبناء الجهات الصحراوية الثلاث من تدبير شأنهم المحلي.
2_ أن تكون هناك أيدي خفية تحتكر صكوك الوطنية تعطيها من تشاء وتمنعها عن من تشاء. وهنا تكمن الخطورة في المقاربة الأمنية الوحشية المعتمدة ضد المطالب السياسية بالمنطقة تطال حتى المطالبين بلقمة العيش والمحتجين من أجل المطالب الإجتماعية والإقتصادية. ومن ثم بات القذف بالإنفصالية ومعاداة الوحدة الترابية قميص عثمان لبعض المسؤولين لتبرير حقدهم الدفين ضد الصحراويين وعنصريتهم الشوفينية .
ولا يخفى عليكم أني عثرت بمدينتي على عائلات متجدرة بمنطقة وادي الذهب لا أخشى الكذب إن قلت أنها تعيش تحت خط الفقر تخشى الهمس بنبتة سن خوفا من التهمة الإنفصالية المعتادة وما يترتب عنها من تكسير للعظام وتحطيم للرؤوس. وعليه فأختيار الغالبية السكوت عن المطالبة بالجزرة بدل تجرع العصا جاء نتيجة لسياسة تعويض الرؤوس بالسيوف التي تقود هذه الجزيرة ومن عليها الى الغرق في وحل الأزمات الإجتماعية الحانقة .
ومن هنا أرى ضرورة ملحة في إعادة صياغة النظرة العامة للإدارة المركزية صوب هذه الجهة وتكريس جهوية حقيقية تجعل من أهل الأرض مدبرين لأمورهم فأهل الداخلة أدرى بشعابها خصوصا إذا علمنا الطفرة المهمة للتعليم بالجهة وكثرة الكفاءات القادرة على قيادة سفينة الجهة نحو بر الأمان بدل جعلها مقبرة لذوي السوابق والشبهات من أهل التدبير في مدن الشمال . وآيم الله أني لن أنسى ما وجدته في إحدى عمالات الدار البيضاء الكبرى التي دخلتها ذات مرة فعثرت على طاقم كامل من العاملين من رأس العمالة لأصغر موظف كلهم من أبناء تلك المنطقة الأصليين. وقد إستغربوا في لحظة دخولي طالبا شهادة السكنى قائلين أنني “ماشي ولد لبلاد” .وهو أمر أحدث الكثير من الكراهية في قلبي صببتها على أعتاب تلك المقبرة قبل أن أغادرها ، ولعل سبب قولهم ذلك في ظني أن الوطن الشمالي لا يسع الوطن الجنوبي وتلك أيضا قسمة ضيزى ، لكن تبقى عنصرية الجهات قضية متفشية في كل أنحاء العالم لأسباب ثقافية يعلافها الجميع . لذى لازلت أتساءل متى تكون لدينا إدارة من “أولاد لبلاد” تستقبل مشاكلنا وتعطينا تطمينات تتلائم وعقليتنا وكذا تحاورنا بلهجتنا المعتادة بهذه الجهة والتي لا نفهم ولم نعد نطمئن لغيرها . والى حين تلك اللحظة سنظل نحن أبنائها الذين لنا اليد الطولى في تاريخها الطويل وهنودها الحمر نعاني التهميش المتعمد وسنبقى نتابع مسلسل التدبير المتطفل للجهة من مسؤولين قدموا من كل بقاع هذا الإمتداد الثقافي ،فحتى مسؤولي الصناديق التي كان لنا بصيص أمل في تكليفهم معاناتنا باتت مناصبهم حكرا على طريدين من جهات وأقاليم أخرى وجدوا موطئ قدم بسهولة في هذه الجهة وتلك قصة أخرى لنا فيها تأمل مستقبلا
وإني لا أجد شخصيا حرجا في الهجرة دون عودة لهذه المدينة المنكوبة أو الإستغناء عن ثقافتي الصحراوية التي أصبحت تهمة في نظر الإدارة ،كما لا أجد حرجا في تبني جنسية إقليمية أخرى تضمن لي العيش بكرامة ، فلايوجد وطن بدون كرامة كما لا كرامة بدون وطن

