بقلم: عمر بنعليات
إن القارئ للعنوان سيستحضر، و لا شك ، سياسة محاربة الأشباح و مدى بلوغها الأهداف المنشودة ، كما سيستحضر الخطاب الرسمي الذي تتغنى به الجهات المسؤولة في اليوم الوطني للجالية و مدى تنزيله على أرض الواقع .
فأن تحضر اجتماع مع السيد العامل و ممثلي ساكنة إقليم سيدي إفني بمناسبة اليوم الوطني للمهاجر و تستمع للعروض التي قدمها ممثلي القطاعات الأساسية كالسياحة و الفلاحة و المركز الجهوري للاستثمار… و أن تستمع بإمعان للنقاش الذي عرفه الاجتماع من بعض أفراد الجالية البعمرانية و أجوبة السيد العامل يتخيل إليك أن المغرب قطع أشواطا في التقدم و الازدهار و قطع مع جميع الأساليب الماضية من تسلط وتحكم ولا مبالات ، و بدأ المواطن المغربي يستعيد كرامته و آدميته و احترامه داخل الإدارة و يعتنى به في المستشفيات باعتباره دافعا لضريبة سير المؤسسات وباعتباره مواطنا مؤديا لواجباته ، لكن مع الأسف الشديد مازلنا نتعامل مع مسؤولين بعقليات العصور الوسطى وبمغرب السبعينات و الثمانينات و كأن العالم يتحرك من حولهم دون جدوى .
و حتى لا أطيل على القارئ أجد نفسي مضطرا لسرد واقعة عشتها يوم الأربعاء 14/08/2013 على الساعة الخامسة صباحا مع طفلتي الصغيرة ذات الواحد و العشرين شهرا ، ربما صدقت هي الأخرى شعارات المفهوم الجديد للسلطة وتنزيل مفاهيم الدستور الجديد و قد تكون استمعت في غفلة مني لخطاب رئيس الحكومة في مجلس المستشارين حول جواب له لسؤال عن العناية التي يوليها للمواطنين المغاربة القاطنين بالخارج . لقد كان القدر أرحم لها من طبيب فضل تشخيصها عبر الهاتف ضاربا عرض الحائط أبسط قواعد مهنة التطبيب ، فبعد أن أدخلنا ممرض المداومة إلى غرفة المستعجلات لفحص طفلتي فوجئت بوجود مريضين نائمين اكتفيت بالسلام عليهما وطلب العافية لهما ، فردوا علي بالمثل و بابتسامة عريضة يطبعها الحزن و الأسى على ما آلت إليه وضعية المستشفى على الرغم من كونه أفضل حالا من غيره .
بدأ الممرض بالفحص فاستعصى عليه قياس درجة الحرارة لكون ميزان الحرارة معطل فسارعت زوجتي لاستخراج ميزان الحرارة من أغراضها ثم قاستها و أعطت النتيجة للممرض الذي اتصل بالطبيب ليعطيه نتيجة الفحص، ودون أن يكلف نفسه العناء بالمجيء لمعاينة طفلتي كما في الدول التي تحترم مواطنيها، رد الطبيب بوصف الدواء الذي كتبه الممرض لنا. هنا بدأت الشكوك تراودني فسألت الشخص الذي استقبلنا عن صفته داخل المستشفى فأجاب بكونه ممرض ينفد التعليمات، و عند سؤالي عن طبيب المداومة أجاب بوجوده في الجناح المجاور و أن الحالة لا تستدعي تدخله لكن من حقي أن أطالب الطبيب بالحضور و معاينة الطفلة المريضة و القيام بالتشخيصات اللازمة .
أخذت طفلتي و أنا في حالة من الغضب ، متوجها إلى مخفر الشرطة قصد تقديم شكاية في إطار ما يصطلح عليه بالمسؤولية التقصيرية وعدم تقديم المساعدة لمواطن في حالة الخطر، بكل من الطبيب المداوم و إدارة المستشفى . أوقفني الممرض و طلب مني التريث فسارع بالاتصال بالطبيب مخبرا إياه أن الأمور قد تغير مجراها و ربما ستؤول إلى ما لا يحمد عقباه ، فجأة خرج الطبيب من الجناح الآخر و علامات النوم بادية على محياه . وبسؤالين عن الزكام و الإسهال و في مدة لا تتجاوز ثلاث دقائق ثم الفحص و التشخيص و وصف الدواء اللازم وطلب مني التوجه إلى المكلف بالصندوق قصد دفع ثمن الفحص ثم أرشدنا إلى صيدلية المداومة .
اتجهت إلى الصيدلية فوجدتها مقفلة ، اتصلت بالهاتف الموضوع رهن الإشارة عدة مرات دون أن يجيب أحد ، بعدها ذهبت إلى مخفر الشرطة قصد القيام بمحضر في الموضوع و تسجيل شكاية ضد المسؤول عن إقفال صيدلية الحراسة دون وجه حق ضاربا بعرض الحائط صحة المواطن، وكانت المفاجئة أكبر عندما رفض شرطي المداومة تسجيل الشكاية والقيام بمحضر في الموضوع ، وبعد أخد و رد طلب مني أن أحاول مرة أخرى زيارة الصيدلية للتأكد من كونها مغلقة ، فطلبت منه إرسال دورية من رجال الأمن للقيام بمحضر المعاينة الشيء الذي لم يستسغه الشرطي ، و رجعت إلى الصيدلية فوجدتها مغلقة و ببابها أحد المواطنين يحمل طفلة صغيرة وينتظر من يعطيه الدواء ، اتصلت بالصيدلي مرة أخرى دون جدوى ، ثم رجعت إلى مخفر الشرطة و طالبت شرطي المداومة بلقاء المسؤول برتبة عميد أو ضابط فأخبرني الشرطي أنه لا وجود لمسؤول في هذا الوقت فاتصل بشخص آخر الذي أخبرني بالتوجه صوب القيادة علما أن كل مراكز القيادات بالمدينة مقفلة ، بدأت أفقد أعصابي خاصة و أن طفلتي تغيب عن الوعي بين الحين و الآخر وتنطق بألفاظ غريبة ، اتجهت مباشرة إلى العمالة ، أخرجت طفلتي من السيارة ووضعتها أمام عمالة الإقليم ، وصرت أصرخ بقوتي منددا ومحتجا على هذه التصرفات اللامسؤولة ومطالبا بخروج المسؤولين النائمين الذين لا نراهم إلا في الأعياد و المناسبات البرتوكولية . خرج رجل القوات المساعدة ليسأل عن المشكل ، أخبرته بالحكاية و نصحني بالانتظار حتى الساعة التاسعة صباحا ، هنا ثارت ثائرتي و بدأت أتصل ببعض المناضلين للانضمام إلي في شكلي الاحتجاجي ضد مسؤولين لا يقدرون المسؤولية و لا يقدرون حق الطفولة في الحياة وحق طفلتي في التطبيب و التي كان ذ نبها الوحيد رغبتها في قضاء العطلة ببلدها الأم ، مر مواطن بسيط قرب العمالة ورأى طفلتي ممددة أمام بابها ، فهم الموضوع وقال: لقد اعتدنا بسيدي إفني على مثل هذه التصرفات ، ثم أمدني برقم هاتف مدير ديوان العامل ، هذا الأخير رد على هاتفي و التحق بي أمام باب العمالة ، اتصل بصاحب صيدلية المداومة و طلب منه الحضور الفوري إلى الصيدلية ، استغربت عندما التحق بنا الصيدلي على وجه السرعة ، حاولت أن أشرح له أن ما قام به ليس قانونيا و أن ليس من حقه التلاعب بصحة المواطنين، أجابني أن هامش الربح قليل جدا و ليس من المنطق أن ينتظر الليل كله دون أن يبيع شيئا ، هنا فهمت كل شيء ، و تأكدت من أن مغرب الوضع المتقدم ، و مغرب الحكامة الجيدة ، ومغرب ربط المسؤولية بالمحاسبة ما هي إلا شعارات استهلاكية عقيمة و متعفنة في ظلمة و استبداد العصور الغابرة ، و أن الوعود التي قدمت لنا في قاعة الاستقبالات بعمالة الإقليم بمناسبة اليوم الوطني للمهاجر لا توجد إلا في مخيلة من ينطق بها و لا يتجاوز صداها جدران قاعة الاجتماعات ، و في الأخير لا يسعني سوى أن أندد بهذه التصرفات البدائية التي تنم عن الجهل وعن سيطرة لوبي يتحكم في كل شيء و يحكمه الإستغلال و الإستبداد و السيطرة ، لذالك فأنا أطالب بفتح تحقيق في الموضوع و تحديد المسؤوليات لتفادي تكرار ذلك.
عمر بنعليات
كاتب عام تجمع إفني أيت بعمران للتضامن بفرنسا RIAS
وعضومكتب جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب فرنساASDHOM
عضو المكتب الاداري لجمعية العمال المغاربييين فرع جونفيلي فرنساATMF

