المجتمع المدني بالصحراء ودرجة الصفر في العمل التطوعي

 بقــــلم : مـحـمـد عـبـد الـحـي ولـد بـيـسـط


يعد المجتمع المدني من الآليات الحديثة في التأطير والعمل الإجتماعي، ونشر قيم التضامن والتآزر بين أفراد المجتمع، والتي ترسخت في الفكر الديمقراطي للمجتمعات المتحضرة، كنتاج ثقافي وحضاري واجتماعي للدول والمجتمعات الغربية، حيث يلعب المجتمع المدني أدوار مهمة وطلائعية في عدة مجالات اجتماعية وثقافية واقتصادية وإنسانية، لا تقل أهمية عن أدوار كل من الحكومة والقطاع الخاص، إذ يمكن القول أن هيئات ومنظمات المجتمع المدني تشكل بامتياز ما يمكن نعته بالرأسمال الاجتماعي للمجتمع، حيث اعتبر هيغل  المجتمع المدني، بكونه يتموقع في الفرق الموجود بين الأسرة والدولة، وأن تكونه يأتي في مرحلة لاحقة عن الدولة، التي سبقته كواقع مستقل، حتى يتمكن من البقاء  .

ومن المعروف أن المجتمع المدني ينبني على عدة مبادئ أساسية وجوهرية، لعل أهمها هو مبدأ التطوع وخدمة الصالح العام، كمبدأ محوري في عمل أي منظمة أو هيئة من هيئات المجتمع المدني، بحيث أن الرغبة في المشاركة في خدمة المجتمع بمحض الإرادة ودون توجيه من أي طرف، ودون توقع مقابل مادي نظير الخدمات التطوعية، هو الركيزة الأساسية لعمل منظمات المجتمع المدني والغاية من وجوده أصلا .

وبالعودة لواقع الحال، والذي اخترنا له نموذج مدن الصحراء، نجد أن كل هذه التمثلات والتصورات التي انبنى عليها المجتمع المدني في الحضارة الغربية، يكاد يجد النقيض منه تماما، في حالة غريبة ومستعصية، الشيء الذي يطرح معه العديد من التساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء ذلك !!! .

فما إن فتحت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أبواب ميزانياتها حتى تقاطر على المشهد الجمعوي بمدن الصحراء، العشرات من الجمعيات وتناسلت تلك الجمعيات لتولد جمعيات أخرى مثلها، بشكل يدعو إلى الذهول أحيانا، والاستغراب أحيانا أخرى، مما دفع البعض لاقتحام هذا المجال، حبا في العمل الخيري وخدمة الصالح العام طبعا، إما بحسن نية، أو لغاية في نفس يعقوب، مما ولد مشهدا فوضويا لما يسمى عندنا ” مجتمعا مدنيا ” .

لكن السبب الذي دفعني للكتابة عن هذا الموضوع، هو متابعتي خلال الأيام الأخيرة، لبعض النشرات الإخبارية لتلفزة العيون الجهوية، وهي تبث بعض تقاريرها الإخبارية حول أنشطة بعض الجمعيات، تقوم بتوزيع بضع دجاجات ” كيلو ونص “، وأخرى توزع أكياس لأطعمة ….، لكن ما استوقفني هو الطريقة التي يتم بها تسويق هكذا أنشطة، وهي أنشطة على العموم بسيطة وعادية تقوم بها آلاف الجمعيات والمنظمات التطوعية في باقي ربوع المملكة، بل في العالم، دون أن تحدث كل هذه البروبغاندا والدعاية الإعلامية، حيث تظهر من خلال تلك التقارير المتلفزة، رئيسة الجمعية أو رئيسها لا فرق، وهم يقومون بتوزيع هذه المساعدات “والإكراميات الكبيرة “، أمام عدسات الكاميرا، على نسوة ساقهن الفقر والحاجة إلى تلك الجمعيات، بشكل يبعث على الحسرة والأسف، على الدرجة التي وصل لها المجتمع المدني لدينا .

ألهذه الدرجة وصلنا في مستوى العمل التطوعي، ألهذه الدرجة باتت الأعمال التطوعية العادية والبسيطة يتم الترويج لها في وسائل الإعلام وكأننا حققنا انجازات كبرى تدعو للفخر واطلاع الجميع على مستوانا المتقدم في العمل الإجتماعي، إنها لحقا درجة الصفر في العمل التطوعي والخيري، ألا تخجل هذه الجمعيات من قريناتها التي تشتغل في مدن شمال المملكة وخاصة مدن الرباط والدار البيضاء ومنطقة سوس، تعمل بكد واجتهاد وبشكل يومي وليس موسمي، وتقدم خدمات جليلة للعشرات من المواطنين في عدة مجالات )تعليم، صحة، تربية، تكافل اجتماعي …( ، دون أن تحدث كل هذه الهالة الإعلامية، ونحن نوزع بعض دجاجات من عام لعام ونفتخر وكأننا قمنا بعمل يستدعي الفخر والتبجيل ؟ !!!

للأسف لازلنا بعيدين كل البعد عن المفهوم الحقيقي للمجتمع المدني، هذا الأخير الذي رسم له دستور 2011 دورا كبيرا وصل إلى درجة إشراكه في إعداد وتقييم السياسات العمومية )الفصل13( والمساهمة في إعداد القرارات والمشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية والمساهمة في إعداد برامج التنمية وتتبعها )الفصلين 12و139(، فهل لدينا فعلا هذا المستوى من المجتمع المدني القادر على المشاركة الفاعلة في عملية البناء والتنمية، أم أن الأمر لا يعدوا أن يكون اسما بلا مسمى ؟؟؟ ، للأسف واقع الحال يشي بمستوى مجتمعنا المدني، وينبئنا أننا لازلنا في أول الطريق نحو الوصول إلى ما وصلت له البلدان المحتضرة ….

ـ مـحـمـد عـبـد الـحـي ولـد بـيـسـط

باحث بسلك الدكتوراه في تخصص العلوم الإدارية والمالية العامة

جامعة محمد الخامس – أكدال – الرباط

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد