بقلم : بوعلفة أحمد
الكلمة ليست عبارة ميتة جوفاء ولا ألفاظا عائمة لا تستقر على قاعدة أو أساس ، إنما هي في عرف الإسلام الصيغة اللفظية المعبرة عن القصد والإعلان المخلص عن قرار عمل داخلي . فوراء كل كلمة تطلق مسؤولية وتبعات ، والمسلم عليه أن يقصد ما يقول ويعي ما يلفظ ويعمل أكثر مما يتكلم ، لأن الكلمة أن لم تترجم إلى عمل فإنها تفقد هيبتها وتردى صاحبها في متاهات التناقض والضياع ويتعرض لغضب الله ومقته.
قال الله تعالى ” يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما تفعلون” سورة الصف.
وقد أوضح القرآن الكريم دور الكلمة وأهميتها ورسم الطريق واضحا من أجل أن تكون الكلمة أداة فعالة لصنع الخير ومصدرا للمعروف والإحسان بين الناس والأسلوب الأمثل لإصلاح المجتمع ونضر الدعوة وإشاعة روح الأخوة والمحبة بين أفراد النوع الإنساني .
و وصفت النصوص القرآنية الكلمة النافعة الصالحة ، بالشجرة الطيبة التي نبتت جذورها في أعماق الأرض وامتدت أغصانها في آفاق السماء بتذوق الناس ثمراتها اللذيذة في كل حين بإذن الله ، كما أوضحت في المقابل آثار الكلمة الشاذة المنحرفة التي تعمل على تفكيك أواصر المجتمع وتهديم أركانه وأسسه ، وشبهت هذه الكلمة بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من الأرض فما لها من قرار.
قال تعالى :” الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين بإذن الله ، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون . ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. يثبت الله الذين آمنوا بالقول في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء” سورة إبراهيم.
وبين القرآن بإسهاب معاني الكلمة الخبيثة والخطورة التي تكمن وراءها وتحدث عن صور وأنماط متعددة للاستعمال المضر والشاذ للكلمة وعزز هذا الحديث بالنماذج والأمثلة المختلفة. وبالشكل الذي يوفر للإنسان دراية كاملة سواء بمواطن الصلاح والانحراف ، ويجعله قادرا على حساب النتائج والآثار المحتملة على أي كلمة يطلقها.
واعتبرت الآيات القرآنية الشريفة مسألة الكذب ، أي الأخبار المزيف عن الواقع وإعطاء السامع صورة مخالفة للحقيقة ، أخطر أمراض الكلمة وأكثر استعمالها تخريبا في نفسية الفرد وحياة المجتمع.
فالكاذب يسعى لأن يصنع في ذهن السامع عالما يخالف عالم الواقع والحقيقة ، ولاشيء أخطر على الحياة من أن يبتعد الإنسان عن فهم الحقائق ويقع في بقع الزيف والخداع ، لأن ذلك يؤدي إلى انتشار عوامل التشكيك . وانعدام الثقة ، وبالتالي هدم أهم مكونات الحياة وتكريس الباطل والظلم والفساد ، ومن أجل ذلك حارب القرآن بلا هوادة الكلمة الكاذبة ، وحمل بشدة على كل كذب وافتراء ونعت الكاذب بمختلف النعوت والصفات السلبية الخطيرة ، كالكفر والتفريط والإسراف وكثرة الحلف لإقناع الآخرين بصدقه ، الانضمام لحزب الشيطان بالإضافة إلى توضيح أخطار ومضار الكذب على الأفراد والجماعات.
قال تعالى : ” ويجعلون لله من يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم لهم أن النار وأنهم مفرطون” سورة النحل يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون كما يحلفون لكم ، ويحسبون أنهم على شيء إلا هم الكاذبون استحوذ عليهم الشيطان هم الخاسرون ” سورة المجادلة .
والذين اتخذوا من دونه أولياء ما تعيدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينكم في ما هم يختلفون ، أن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ” الزمر .
ولا تقولوا لما تصف ألسنتهم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ، متاع الدنيا قليل ولهم عذاب أليم ” سورة النحل .
وفي مواضع أخرى حذر القرآن الكريم من استعمال أخر للكلمة الخبيثة وقرنها برجس الوثنية ، ويتجسد ذلك في قول الزور لأن الإسلام إنما جاء لإحقاق الحق وإظهاره وحفظه ، وقول الزور طمس للحقيقة واعتداء على حقيقة الأشياء ونصرة للباطل وتضليل للإنسانية وإفساح المجال للمجرم كي يفلت من العذاب ومن تحمل مسؤولية عمله.
قال تعالى :” ذلك من يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور” الحجر.
كذلك سلط القرآن الأضواء على مسألة البهتان باعتبارها إحدى ألوان الكلمة الخبيثة حيث تختفي وراء هذه الظاهرة الأخلاقية المريضة دوافع الكراهية والانتقام وإسقاط شخصية الآخرين بإشاعة التهم والأضاليل ضدهم ، وقد فضح الله عزل وجل هذه الطائفة من الناس وطلب منهم الكف عن ذلك ، إن كانوا من المؤمنين حقا الذين يمتثلون لأوامره وينتهون بنواهيه.
قال تعالى :” إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم . ولولا إذ سمعتموه هذا بهتان عظيم يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين” سورة النور.
وهنالك أيضا الإشاعات التي تعد أخطر أنواع الكلمة الخبيثة التي يستخدمها العدو وأكثر الأسلحة فتكا وتخريبا في الحياة الاجتماعية ، خاصة في أوقات الأزمات السياسية والاقتصادية وعند الحرب واشتعال المعارك حيث ينشط الجواسيس وأجهزة الدعاية المضادة في بث الإشاعات والدعايات المغرضة لتحطيم معنويات الأمة وإثارة القلق والشك والبلبلة في صفوف المسلمين .
لذا هدد القرآن الكريم المخربين ومروجي الإشاعات والأباطيل عندما حاول اليهود والمنافقون في المدينة النيل من المسلمين وإشاعة الخوف والاضطراب في صفوفهم بأنواع العقاب لأنهم معول تخريب وأداة إرباك يمكن أن تسبب للأمة الإسلامية خسائر وأضرار كبيرا جدا.
قال تعالى:” لثن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لتغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا” الأحزاب .
ويلفت القرآن الكريم الأنظار إلى عمليات التضليل والخداع التمويه عن طريق تضييع الكلمة وزخرفة القول والدخول إلى المخاطب من طرق ملتوية من أجل إغرائه والإيقاع به باستخدام الكلمة الخبيثة ولكن بعد تحريرها وإضفاء الأصباغ إليها لإخفاء وجهها الحقيقي والإيحاء بسلامتها وصحتها.
وكثيرا ما فرح الساذج بهذه الكلمات وافتتنوا بأناقة مظهرها ، فكانت لها أدوار هدامة وأثار تدميرية على الصعيدين العقائدي والأخلاقي وقد سمت النصوص القرآنية الشريفة بأعداء الأنبياء (عليهم السلام ) بشياطين الإنس والجن باعتبار أنهم يمارسون عليمة إغواء الإنسان وتضليله بإقناعه بالكلمة المبطنة التي تحمل في ظاهرها الصلاح والفلاح وتستبطن في داخلها معاني الجهل والضلالة والانحراف.
قال تعالى :” وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ، ولو شاء ربك ما فعلوه . فذرهم وما يفترون . ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون) سورة الأنعام .
وفي بعض الأحيان يشعر الإنسان بأن الكلمة التي يريد أن يقولها لا تلقى أذانا صاغية وقبولا من الماس ،فعندئذ يلجأ إلى الأفراد الذين يشاركونه الرأي ويتقبلون كلماته وأفكاره فيتناجى معهم تحت ستار من العزلة والسرية فيتم الحوار الخفي وكثيرا ما ينتج عنه اتفاقات وقرارات وأنشطة وفعاليات.
وقد أمر الله عز وجل أن يكون هذا الحوار وهذا التناجي مكرسا لمجالات الخير والبناء ومقسما بالبر والتقوى والطاعة ومبتعدا عن الكلمة الخبيثة المؤذية المشتملة على النفاق والتلون والرياء .
قال تعالى :” يا أيها الذين أمنوا إذا تناجيتم فعلا تناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون” المجادلة .
وذم القرآن الكريم الكلمة الفارغة من المعنى الجوفاء التي لا فائدة منها ، وسماها باللغو في الحديث ونزه الشخصية الإسلامية من الإسفاف والسقوط في هذه الهوة المزرية واعتبر أن إحدى صفات المؤمنين الأساسية هي التعالي عن اللغو والثرثرة والاستعمال العابث للكلمة وإضاعة الوقت وأراد لكل كلمة تصدر من الإنسان المؤمن هدفا ودلالة معينة.
قال تعالى :” قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون) المؤمنون ” والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا بالغو مروا كراما” الفرقان ” وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا تبتغي الجاهلين” القصص .
إضافة إلى ذلك تيه القرآن إلى مجموعة أخرى من المظاهر التي تتحمل الكلمة مسؤولية التعبير عنها والمساهمة فيها.
قال تعالى :” يا أيها الذين أمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهن ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بيس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون . يا أيها الذين أمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يعتب بعضكم بعضا أيحب أحيكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) الحجرات .
المومنون أن يغلب بعضهم بعضا أو أن يتابع المؤمن عثرات وعيوب أخيه ليذيعها بين الناس ويعرضه للفضيحة والاهانة ، فالمتجسس والهماز واللماز شخصيات هزيلة تعاني من أمراض الحقد والحسد والكراهية وتحاول أن تخفي أمراضها النفسية بالتعرض للآخرين بينما يريد الإسلام للإنسان المؤمن أن يقتلع الدوافع المرضية في نفسه ويهدم اينيتها في الخارج ويتعود على الكلمات الطيبة النظيفة…

