الصحراء 24 : الحبيب بونعاج
بعد سنوات من الانتظار، طُوي جزء من ملف شيوخ القبائل الصحراوية مع بدء صرف تعويضاتهم المالية بأثر رجعي، في خطوة أشرف على تنزيلها والي جهة العيون الساقية الحمراء عبد السلام بكرات.
هذا الإجراء، الذي لقي ترحيباً واسعاً في الأوساط المحلية، لا يُقرأ فقط كمعالجة لوضعية مالية معلقة، بل كإشارة سياسية ومؤسساتية تعيد تسليط الضوء على المكانة الاعتبارية التي يحتلها شيوخ القبائل داخل النسيج الاجتماعي والسياسي للأقاليم الجنوبية.
ولا يُنظر إلى هذا الإجراء باعتباره مجرد تسوية إدارية أو مالية، بقدر ما يُعد مؤشراً على اعتراف مؤسساتي بالمكانة الرمزية التي يحتلها شيوخ القبائل داخل البنية الاجتماعية والسياسية للأقاليم الجنوبية.
فقد ظلت هذه الفئة، عبر التاريخ، تضطلع بأدوار محورية في الحفاظ على التوازنات المجتمعية، كما حظيت باهتمام خاص من المؤسسة الملكية بالنظر إلى دورها في ترسيخ الروابط الاجتماعية وتعزيز الاستقرار بالمنطقة.
غير أن متتبعين للشأن المحلي يرون أن هذا المكسب المالي، رغم أهميته، يظل خطوة أولى تحتاج إلى استكمالها بإجراءات مؤسساتية أوسع، تضمن توفير فضاءات عمل وبنيات تنظيمية تواكب طبيعة الأدوار التي يضطلع بها الشيوخ، خاصة في ما يتعلق باستقبال الوفود الدبلوماسية والبعثات الدولية التي تزور الأقاليم الجنوبية.
وفي هذا السياق، تبرز دعوات إلى الانتقال من منطق التعويضات إلى منطق التمكين الإداري، عبر إحداث مقر جامع لمؤسسة الشيوخ وتجهيز مكاتب عمل تليق بمكانتهم وبالأدوار السياسية والدبلوماسية التي يقومون بها.
وتتقاطع هذه النقاشات مع قراءات أوسع تعتبر أن تعزيز موقع الشيوخ داخل المشهد المؤسساتي قد يرتبط بالتحولات المرتقبة في تدبير ملف الصحراء، خاصة في ظل الطروحات المرتبطة بمشروع الحكم الذاتي، حيث يُتوقع أن تلعب النخب التقليدية دوراً في البنية المؤسساتية المستقبلية.
وفي هذا الإطار، يبرز الاهتمام المتزايد بإشراك الشيوخ في عدد من اللقاءات والمنتديات الدولية التي تحتضنها مدينة العيون، إضافة إلى اللقاءات التواصلية التي تجمعهم بعدد من المسؤولين، وهو ما يُقرأ باعتباره توجهاً نحو تعزيز حضورهم في النقاشات المرتبطة بمستقبل المنطقة.
وبين تسوية الوضعية المالية وتعزيز الحضور المؤسساتي، تبدو هذه التطورات مؤشراً على مرحلة انتقالية تسعى إلى إعادة صياغة أدوار شيوخ القبائل، بما ينسجم مع التحولات السياسية والدبلوماسية التي يعرفها ملف الصحراء على الصعيدين الوطني والدولي.

