نقاش برلماني محتدم حول مشروع قانون تنظيم مهنة العدول بين تحفظات المعارضة ودفاع الأغلبية عن خيار التحديث

الصحراء 24 : محمد بونعاج

أثار مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول نقاشاً واسعاً داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، حيث عبّرت فرق ومجموعة المعارضة عن جملة من التحفظات، معتبرة أن النص، رغم ما يحمله من توجه تنظيمي، يغلب عليه الطابع الزجري التأديبي، دون توفير ضمانات مهنية واجتماعية كافية تكفل حماية العدل أثناء ممارسته لمهامه.

وخلال اجتماع اللجنة، المنعقد بحضور وزير العدل عبد اللطيف وهبي، تم تسليط الضوء على موقع مهنة العدول داخل منظومة التوثيق، ودورها القانوني والمؤسساتي، حيث شددت المعارضة على ضرورة إرساء مبدأ المساواة بينها وبين باقي المهن التوثيقية، سواء من حيث التسمية أو الاختصاصات أو الحجية القانونية للعقود المحررة، إلى جانب تعزيز البعد الاجتماعي للعدول وتقوية التنسيق مع باقي الفاعلين في الحقل القضائي والقانوني.

وسجلت فرق المعارضة أن مشروع القانون يتضمن مقتضيات اعتبرها ممارسو المهنة تراجعاً عن مكتسبات منصوص عليها في التشريع الجاري به العمل المتعلق بخطة العدالة، وتمس بجوهر المهنة وتحد من أدوار العدل، لاسيما في ما يخص شروط تحرير الوثيقة العدلية، والتأمين عن المسؤولية المدنية، فضلاً عن ما وصفته بتعقيد مساطر مراقبة العقود العدلية.

كما طرحت المعارضة تساؤلات حول استثناء مهنة العدول من التوثيق في بعض المعاملات العقارية والتجارية والمالية، إلى جانب التخلي عن آلية الإيداع التي كانت متضمنة في الصيغة الأولى للمشروع، والتي شكلت، بحسبها، موضوع توافق سابق بين وزارة العدل والهيئة الوطنية للعدول، بالنظر لما توفره من ضمانات قانونية وحماية للأموال داخل مؤسسات الائتمان.

وفي السياق ذاته، نبهت المعارضة إلى أن توسيع شروط الولوج إلى المهنة ليشمل مسارات تكوين غير قانونية، من شأنه الإخلال بمبدأ الاستحقاق، ويشكل خطراً على جودة التوثيق، مطالبة بحصر الولوج في تكوين قانوني وشرعي واضح، مع رفع مدة التكوين بما ينسجم مع متطلبات إصلاح منظومة العدالة.

في المقابل، دافعت فرق الأغلبية عن مشروع القانون، معتبرة أن تحديث منظومة العدالة يفرض ملاءمة مهنة العدول مع التحولات الوطنية، خاصة على المستويات القانونية والتقنية والاجتماعية، مؤكدة أن تطوير هذه المهنة يشكل دعامة أساسية لإنجاح ورش الإصلاح الشامل للعدالة.

وأشادت الأغلبية بالمنهجية التشاركية التي اعتمدتها وزارة العدل في إعداد المشروع، من خلال إشراك الهيئة الوطنية للعدول واستشارة كل من المجلس العلمي الأعلى والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، معتبرة أن هذا المسار يعزز الحكامة التشريعية ويمنح النص مشروعية مهنية ومؤسساتية ودستورية.

كما نوهت بتكريس مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص في الولوج إلى المهنة عبر اعتماد المباراة، وإحداث مؤسسة للتكوين الأساسي والمستمر، باعتبار الاستثمار في الرأسمال البشري مدخلاً محورياً لتحديث المهنة ومواكبة التحولات التشريعية والرقمية.

وبخصوص تحرير العقود وتلقي الشهادات، اعتبرت فرق الأغلبية أن إدماج الوسائل الرقمية والانخراط في المسار الإلكتروني من شأنه تسريع المساطر وتعزيز الأمن التعاقدي وتقليص هامش الخطأ، مشيدة في الوقت ذاته بتأطير شهادة اللفيف بضوابط دقيقة توازن بين المتطلبات الشرعية وضمانات الأمن القانوني.

من جانبه، أكد وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن إعداد مشروع القانون تم وفق مقاربة تشاركية موسعة، شملت عقد أزيد من 15 اجتماعاً مع الهيئة الوطنية للعدول، بهدف مواكبة المستجدات الوطنية وضمان انسجام النص مع تطلعات المهنة والمجتمع، وتعزيز الأمن القانوني وتوحيد المعايير المهنية داخل منظومة العدالة.

وأوضح الوزير، في ما يتعلق بتقنين شهادة اللفيف، أن التنصيص على 12 شاهداً يستند إلى المرجعية الفقهية للمذهب المالكي، حفاظاً على الطابع الشرعي للممارسة، مع إقرار مساطر دقيقة لتلقي الشهادة والحد من أي تلاعب أو تدليس، وتنظيم أحكام الرجوع والإنكار والحجية القانونية.

وأشار المسؤول الحكومي إلى أن المشروع يضمن حق العدل في تحصيل أتعابه مقابل تحرير العقود والشهادات، سواء عبر وصل إلكتروني أو بالاقتطاع من كناش ذي أرومات، بما يحقق التوازن بين صون الحقوق المالية للعدول وتيسير الخدمات لفائدة المرتفقين.

وخلص وزير العدل إلى أن مشروع القانون أُعد في انسجام مع المقتضيات الدستورية المرتبطة بحقوق المتقاضين وتخليق الحياة العامة، وترسيخ قيم النزاهة والشفافية والحكامة، مع معالجة الإشكالات التي كشفت عنها الممارسة العملية، عبر مقتضيات جديدة أكثر دقة ووضوحاً.

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد