احتقان يفضح عجز التدبير و غياب الرؤية داخل الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة

الصحراء 24 : امين لحميدي 

تعيش عدد من المصالح داخل المديرية التقنية للشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة على وقع احتقان متزايد، نتيجة تراكم الاختلالات البنيوية وسوء تدبير الموارد البشرية و المادية. هذا الواقع يعكس بوضوح حالة الارتباك و العجز في التسيير داخل المؤسسة، و يؤشر على فشل السياسات المتبعة في التعاطي مع شؤون العاملين و احتياجات المرفق العمومي الإعلامي الذي يُفترض أن يكون رافعة استراتيجية في المشهد الوطني.

لقد أبانت التجربة الميدانية عن غياب رؤية واضحة المعالم تؤطر عمل المؤسسة وتوجه قراراتها نحو الأهداف الكبرى المرسومة في ميثاق المرفق العمومي. فبدل الاستثمار في الكفاءات البشرية و تحفيز روح الابتكار و الإبداع، تم اعتماد مقاربات ضيقة تقوم على الارتجال و اتخاذ قرارات تفتقر إلى أبسط معايير الدراسة و التخطيط.

و من الأمثلة الدالة على هذا الارتباك، التجربة السابقة التي خاضتها القناة المغربية بإقرار بث على مدار 24 ساعة وإضافة نشرة إخبارية صباحية، في محاولة لخلق دينامية جديدة داخل القناة. غير أن هذه الخطوة سرعان ما كشفت محدوديتها، بعدما تبين أن المحتوى المقدم لا يخرج عن نطاق إعادة تدوير نفس المواضيع التي تمت معالجتها في نشرات اليوم نفسه، مما أفقدها قيمتها الإخبارية و المهنية، و أبرز غياب الرؤية التحريرية المتجددة التي تراعي متطلبات المتلقي و خصوصية اللحظة الإعلامية.

الانعكاسات السلبية لهذه السياسات لم تتوقف عند الجانب المهني فحسب، بل امتدت لتطال أوضاع العاملين الذين وجدوا أنفسهم ضحايا لقرارات فوقية تُفرض دون تقدير لجهودهم و لا لخصوصية طبيعة عملهم. فبدل تحسين بيئة العمل و توسيع قاعدة الموارد البشرية، يتم اللجوء إلى فرض ساعات إضافية مجحفة، في وقت تعاني فيه المصالح التقنية من خصاص مهول في الأطر و الكفاءات.

إن هذه الاحتقانات اليومية التي تعيشها الشغيلة الإعلامية ليست سوى نتيجة مباشرة لتدبير فاشل افتقد للرؤية الاستراتيجية وللإرادة الإصلاحية الجادة. و هو تدبير جعل القطاع رهينة قرارات ارتجالية و مقاربات سطحية، في حين ظل الإعلام العمومي — بما يمثله من حساسية وأهمية وطنية — خارج منطق التقييم و المساءلة، كأنه استثناء غير قابل للمراجعة أو التغيير.

إن استمرار هذا الوضع لا يخدم لا المؤسسة و لا العاملين فيها، بل يهدد مكانة الإعلام العمومي و دوره في خدمة الصالح العام. لذلك، بات من الضروري أن تُفتح صفحة جديدة تُبنى على الحكامة، و تستند إلى رؤية إصلاحية تضع الكفاءات في صلب الاهتمام، و تعيد الاعتبار إلى من يُشكلون جوهر العمل الإعلامي: الإنسان قبل الصورة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد