الصحراء 24 : العيـــــون
تشهد المنظومة الصحية في المغرب مفارقة بارزة تُثير نقاشاً متزايداً، ففي الوقت الذي تتخبط فيه المستشفيات العمومية في أزمة خانقة، أعلنت مجموعة “أكديطال” الخاصة عن تحقيق نتائج مالية قياسية خلال النصف الأول من سنة 2025، وهو ما يعكس من جهة نجاحاً اقتصادياً لافتاً، لكنه من جهة أخرى يضع علامات استفهام كبرى حول اختلال التوازن بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية.
فحسب الأرقام الرسمية، بلغ رقم معاملات المجموعة 2.093 مليار درهم عند متم يونيو 2025، بزيادة قدرها 68 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، فيما ارتفع هامش الاستغلال إلى 533 مليون درهم بزيادة 60 في المائة، وقفز صافي الأرباح إلى 214 مليون درهم بزيادة 69 في المائة.
كما وسّعت المجموعة من حضورها على المستوى الوطني عبر إدارة 36 مستشفى بطاقة استيعابية تقدر بـ 4200 سرير، أي ما يمثل حوالي 20 في المائة من الطاقة الاستيعابية للقطاع الصحي الخاص، وقرابة 12 في المائة من مجموع الأسرة الاستشفائية في البلاد.
هذه الأرقام، وإن كانت تعكس قصة نجاح تجارية، فإنها تتزامن مع تدهور غير مسبوق في القطاع العمومي، حيث تواجه المستشفيات خصاصاً في الأطر الطبية والتمريضية، وتعيش على وقع ضغط متزايد للاكتظاظ وتراجع البنيات الأساسية، في وقت تتكرر فيه احتجاجات المواطنين المطالبين بحقهم في علاج كريم وفعّال.
ويرى مراقبون أن توسع “أكديطال” لم يكن نتاج دينامية السوق الحرة فقط، بل استفاد من مناخ سياسي واقتصادي منح المجموعة امتيازات غير مباشرة، بينما تُركت المستشفيات العمومية تواجه مصيرها في ظل غياب رؤية متماسكة لإصلاح القطاع.
النتيجة المباشرة لهذه الوضعية هي تعميق الهوة الاجتماعية، حيث يجد المواطن الميسور بديلاً في القطاع الخاص، بينما يظل المواطن محدود الدخل أسير خدمات عمومية متدهورة.
وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول التوجهات الإستراتيجية للدولة في مجال الصحة، ومدى التزامها بتفعيل الحق الدستوري في العلاج باعتباره خدمة اجتماعية أساسية وليست مجرد سلعة استثمارية.
إن المشهد الصحي الراهن يفرض إعادة التفكير في صيغة جديدة تعيد الاعتبار للقطاع العمومي، مع تعزيز الاستثمار في بنياته وتحفيز الكفاءات الطبية على الاشتغال داخله، دون إقصاء دور القطاع الخاص ولكن في إطار تكاملي يخدم مصلحة المواطن أولاً.
فنجاح المؤسسات الخاصة لا ينبغي أن يكون مرادفاً لفشل القطاع العام، بل يجب أن يوازيه إصلاح شامل يضمن عدالة الولوج إلى الخدمات الصحية ويكرس مبدأ الإنصاف الاجتماعي.

