الصحراء 24 : بقلم / محمد الدودي
تتميز مناسبات الاعراس بالصحراء بمجموعة من العادات المستلهمة من الموروث الشعبي لمجتمع البيظان.
بحيث انه عادة ما يتم إستثمار هذه المناسبات إلى إبراز قيم الكرم والحفواة المتبادلة بين النسيج أللإجتماعي لهذا المجتمع .
إذ لا يقتصر الأمر على العائلات التي تقاسمت المصاهرة بل يتعداه إلى جعل مناسبة الزفاف تكتسي طابعا مجتمعيا واسعا من حيث أن الدعوة إلى أللإحتفال توجه إلى جميع مكونات النسيج القبلي للمجتمع الصحراوي .
وغالبا ما ساهمت مثل هذه المناسبات إلى تبذيذ مجموعة من ألحزازات ذات الطابع الذاتي بين أفراد تلك المجموعة أو تلك بل إن الزفاف بحد ذاته كان أيضا مناسبة للابراز التكافل الاجتماعي بحيث أننا نجد أنه في العديد من الحالات ما كان لهذا الزفاف أن يتم لولا المساهمة المادية للأبناء ومكونات تلك العشيرة في التغلب على العديد من أللإكراهات المادية لذاك العريس أو تلك العروسة .
تماما على غرار العديد من الجوانب الجميلة وأللإجابية في القبلية في بعدها الإنساني وأللإجتماعي بعيدا عن توظيفها السياسي المقيت.
وكغيره من الكثير من العادات لم يسلم أيضا حفل الزفاف على الطريقة الصحراوية من موجات تحول نتيجة لمتغيرات عميقة على أهل الصحراء بصفة عامة .
بحيث برزت إلى الوجود ما يصطلح عليه بالتباهي والتفاخر شكل حفل الزفاف ساحة لهذا التحول الذي يضرب في العمق أسسس الزفاف كلبنة لبناء اسرة متوازنة.
وبالتالي برز أيظا المنتفعون من هذا الوضع وهم جحافل من منشطي أللأعراس يوصفون محليا بالصحافة التقليدية الشفوية والكثير من هاؤلاء ينحذرون من شمال ووسط الشقيقة موريتانيا .
إذ وصل الأمر إلى تخصيص امول معينة لهم مخافة …ألسنتهم..فقط
وهنا وجب أللإنتباه إلى حرص واهي وغير عقلاني للكثير من العائلات الصحراوية التي إختلط عليها الأمر بين مفهوم الكرم في حدود المتاح وبين أللإبتزاز الغير مباشر الذي فرظه اسلوب التباهي والتفاخر الذي أصبح يطبع شكل ومضمون حفل الزفاف .
مشاهد ..التعلاك..وهي حالة أخرى أقرب إلى حمية الجاهلية إذ يعمد احد الحظور إلى رمي عدد كبير من الأوراق المالية على مغني أو مغنية فقط للانه يمتدح عشيرته أو شخصه .حتى يصل الأمر أن تفترش أقدام..إكاون..بساطا متعدد الألوان من الأوراق النقدية .
مع العلم ان غالبية حفلات الزفاف هي في الأصل لطبقات متوسطة وربما ضعيفة وكان الأجدر أن يتم توفير الكثير من مظاهر التباهي والتفاخر لبناء مستقبل العريسين الذين تنتظرهما الحياة بصعوباتها المتعددة.
الكثير من الواهمين يريدون منا أن نعتبر هذه الأشياء تقاليد موروثة والحقيقية انها عادات مستحدثة .
وهناك من يريد إقناعنا انها تندرج في صلب المحافظة على التراث الحساني والحقيقية انها عادات تسيئ إلى الموروث الثقافي والاجتماعي للمجتمع الحساني.
بمعنى أن أللإحتفال بالزفاف وإن كان يندرج شرعا في إشهاره فإنه يفقد جزء كبيرا من معناه ومغزاه المجتمعي إذ تحول إلى لحظة تفاخر كاذب لا يستفيد منه سوى شرذمة من ممتنهني التنشيط الغنائي والموسيقى والذي افرغوه بدوره من كل محتوى فني رفيع عادة ما كان يطرب البيظان.
الأخطر من هذا كله انك تجد أن شكل حفلات الزفاف بعاداتها المستحدثة الحالية تحولت إلى إحدى مسببات العزوف عن الزواج عند الكثير من الشباب الذي يجد صعوبة في توفير أساسيات التفاخر والتباهي الكاذبة لمجتمع يكاد أن يتحول إلى مجتمع يؤمن فقط بالمظاهر الخادعة.
وهناك بعض الملاحظات التي تقول ان نسبة الطلاق بعد الزواج بوقت قصير بمجتمعنا الصحراوي في تصاعد كبير جدا .
وهذا معطى يجب التوقف عنده إذ أن الزواج اليوم بهذه الطرق والاكراهات يتجه نحو ترسيخ ثقافة توثيق ركن من أركان الحياة وانتهى الموضوع إذ لا يهم أن تستمر مؤسسة الزواج لتكوين اسرة وضمان استمراريتها من عدمه .
وبالتالي وجب على ضمير هذا المجتمع أن ينتبه إلى أن التطور الذي طال العديد من مناحي حياة البدو بفعل عامل التمدن وما يرتبط به فإن هذا التطور يجب أن تتجه بوصلته إلى الجوانب أللإجابية وليس إلى تميبع فحوى تقاليد الزواج وإدراجها عن جهل مركب تحكمه خلفيات ماضوية عنوانها إظهار مراسيم من البذخ والتبذير الذي لا يعكس الوضع أللإجتماعي لغالبية هذا المجتمع .
فلا معنى لحفل زفاف باذخ يتحمل تبعاته المادية ذاك الزوج أو تلك الزوجة عشر سنوات لتسديد ديون ليلة واحدة .
فلا مدح المداحين وشعرهم وزغاريدهم يمكن لها أن تساعد في بناء مستقبل اسرة
أو تربية أطفال أو التغلب على مستلزمات الحياة الكريمة للأسرة
فلا الدين ولا الشرع ولا التقاليد الحسانية أللأصيلة تبرر ما نشهده من إسراف قصري أصبح يمثل عائقا فرظته ثقافة مجتمعية مستحدثة أمام كل ثنائي يفكر في بناء أسرة حيث تحولت مراسيم إقامة حفل الزواج وشكله غاية أهم من إعتبارها وسيلة لبدء حياة أخرى قوامها المسؤولية المشتركة بين الزوجين .
محمد الداودي

