الصحراء و ما أدراك ما الصحراء

الصحراء 24 : محمد سالم الزاوي

هذا زمن دخل فيه المغرب عصر التناقضات الممأسسة وصار للإنسان حظ بين الطحن والغرق، فلا تكاد تجد لهذا الشعب من وقفة في أجندة الساسة ولا عند حرافيش السياسة الذين حولوا البلاد لمنزل مغشوش قد يتداعى سقفه في أي وقت. حالة أناركية لمفسدة مطلقة عفا الله فيها عن ما سلف منذ صعود  البنكيرانية لسدة الحكم . وتجاوز لمنطق المحاسبة يشجع أصحابه على مزيد من الطحن وإخراج العجين لتمتيع “مارادونا” مقابل رقصة أو تطعيم لكلينتون من أموال البؤساء مقابل إقتناء الوهم في أدغال أفريقيا ودكاكين الديبلوماسية.
لا يلامن إذن، أهل الصحراء إذا ما شاعت ثقافة الإنفصال بينهم ودخل مغاربة الجنوب في دين اليأس والإحباط أفواجا بفعل تنميط الريع وفرض التدبير الإرتجالي لملف لا يمسه إلا القصر أو من إرتضاه. الصحراء وما أدراك ما الصحراء ‘منبع الخير كله ومصدر الشر كله’، رواها الحسن الثاني وصححها تقات الزمن وفيضان وادي الساقية.. فلا تعجبن إذا ما تحولت كثبان العيون والداخلة لمراعي خصبة للريع والفساد ومحميات خارج حدود القانون محصنة بما يسمى “حساسية المنطقة” التي لم يكتب لها بعد أن تشفى منها رغم سنين العلاج والتنمية والأوراش وما الى ذلك من المخططات التي جرفها فيضان الوادي على بساطته الى قعر المحيط.
الصحراء وما أدراك ما الصحراء تلك الجغرافيا الدسمة المطحونة مجاليا والمتخلفة عمرانيا وثقافيا وحتى تنمويا. فكم من الارقام الفلكية عبرت سد المسيرة شمالا دون أن توفي المكان وأهله جزءا يسيرا من حقهم في مدن ارقى من مدن الملح التي يطحنهم فيها الملل وغياب مشاريع تحفظ لهم جزءا من مستقبل معلق بين نخبة سياسية فاسدة تجاوزها الزمن ودار عليها عمر الصحراء منذ استرجاعها وهي على حالها جاثمة تأكل الغلة وحدها وتترك للبؤساء والجياع خيار سبها. فلا يجد ضحايا آل فلان وآل علان من أثرياء حرب الصحراء غير ما يجده مغاربة النسيان من طحين وعجين وتعنيف.
منذ 40 سنة ونحن بالصحراء نتأمل أن يقيم المخزن نقدا ذاتيا لنفسه يعيد فيه الإعتبار للمواطن بالصحراء ويقيم لكيانه وجودا ويصرف رشاويه الدولية التي باتت ترتد عليه سلبا على كرامته وحسن عيشه. لكن المخزن اليوم لازال يرينا ما يرى هو فقط ، تهافت على شراء الولاءات الإفريقية والدولية في تسكين مؤقت لصداع لايزال قائم ولن يزول ما لم يقرر أهل الصحراء وحدهم ذلك. فالمخزن الجديد لم يكن ليخسر شيئا إن إستوعب دروس جاره الشمالي الذي أغدق العطايا على شعب الباسك وكاطالونيا ودللهم في نعيم الديمقراطية والتنمية الحقيقية وفتح لهم باب حكم أنفسهم بأنفسهم في أرقى أوجه الحكم الذاتي ورغم ذلك لازالت أصوات عديدة من وسط الشعبين تنادي بالإنفصال عن إسبانيا ونظامها السياسي.. يحدث هذا في إسبانيا بتقدمها وثرائها وقوتها وديمقراطيتها حتى، فكيف بساكنة الصحراء التي ترى تنمية مغشوشة رغم ما صرف عليها من أرقام لازالت في كواليس التسويق السياسي، كيف بساكنة ترى شرذمة من الاعيان وخدام المخزن الذين يوهمون الدولة بأنهم شعرة معاوية لبقاء الصحراء ليأكلوا غلتها دون أن تشبع لهم بطن أو يرف لهم جفن.. كيف يريد المخزن وحدة ساكنة لا يتم إشراكها في تدبير ملف يخصها، وكأنها قاصرة عن التفكير والتدبير والإنتاج فقط دورها التسويق والترويج لمغربية الصحراء وكفى..
الصحراء وما أدراك ما الصحراء بحر من المتناقضات وساحة فسيحة لتدوير الفساد وإعادة إنتاجه من جديد تحت مسميات مختلفة، أولم تكن الصحراء مطرح نفايات تدبير الدولة ومدفن مسؤوليها وكوادرها من مدمني الفساد ومرضى النفوس. لذلك كل شئ يتقهقهر ويتدهور بهذه الربوع عدى الفساد وسياسات التخوير التي تتطور مرحليا وتتغذى من تهميش المخزن وسياساته الرعناء في أرض يريد حفظها بشراء ولاءات قلة من صحراويي الداخل وزمرة من سماسرة ديبلوماسية الخارج..
لازلنا نذكر بالصحراء كيف دلل الحسن الثاني ساكنة الصحراء حتى جعل من شبابهم أشباله داخل وظائف الدولة ومناصبها، بل إنه رغم ما مارسه عليهم من قمع وتنكيل لظرفية المرحلة إلا أنه ركز تماما على تسكين المنطقة وإعطاء ساكنتها قيمة كبرى وسط بزار الدولة ونظرتها لكل جهة من المغرب.. المخزن الجديد اليوم يتنامى فيه دور مستشاري الملك ومحيطه الخالي من عرق “الدخونة” الصحراوي، لذلك لايزال الصحراويين خارج أهتمامات المخزن وتجاوبه مع أحتقان يستعر في الخفاء وحنق يغطيه بعض أعيان الدولة ومن ألفوا ظرع العطاء .. لكن الى متى ؟
الجواب يتوالى في سطور بدأه ترامب الامريكي وتبعه ساركوزي الفرنسي وانهته قمة مالابو التي اثبتت أن الإسكافي لا يمكن له ان يصلح اواني الغير ويترك أواني منزله دون إصلاح. والحاصل توالي الخيبات وتتابع النكبات وتهميش للصحراويين يتزايد يوما بعد آخر وغليان خامد ينتظر شرارة خفيفة ليأجج أصحابه ثورتهم في وجه سنين “التخنين” وأكاذيب التنمية التي جرفت مع اول فيضان دون رجعة.
كم وجها أراه في هذه القفار يتحمل عناء الصبر على رتابة الأيام ووظيفة ملازمة المقاهي وأمام عينيه تمر يوميا تلك الشاحنات المتخمة بثروات ستودع في جيوب “أولاد لحرام” الذين يأتون معدمين ويخرجون عنا مغتنين. فالى متى هذا العبث ؟
الى متى يعبث والي جائع ولا يشبع بأراضي سائبة يوزعها بين أحبابه وحبيباته ونحن نعيش على شبر ضيق منها لم يكتب له أن يتسع بأصحابه منذ 75 والى اليوم..
اوا الله ينعل لما يحشم..

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد